كلما اقتربتُ من فهم عبارة “الدين أفيون الشعوب” التي تملأ تداولنا اللبناني عند كلّ محطة تلتف فيها الطائفية والمذهبية على روحية الحوار الطامح إلى خلاصات وتوصيات اكثر إشراقًا من ظلام الواقع، غلبني إصرار كثيرين على عدم الخروج من القعر المسؤول برأيي عن نسف كل محاولات بناء قاعدة تحترم التعددية وتصعّب التشويش على عامل النقاش الحضاري والمنفتح.
وبدل أن يكون تزاحم الأحداث محفّزا واضحا على طريق استعادة الوجه المشرق والجميل للنقاش، تأتينا بكل أسف على شاكلة كوابيس تبدد أحلامنا الطموحة بالتعامل مع كل ما يجري حولنا بعين الإنسانية قبل أي دين وطائفة ومذهب!
جاء الحريق الذي أصاب احدى كنائس مدينة إمبابة المصرية ثم حادث سير المروع الذي أودى بحياة النجم اللبناني جورج الراسي وبعدهما فيديو “دخول الشيف ريشارد في الاسلام” ليوسّعوا جميعا تلك الهوة المخيفة ما بين الواقع وبين ما نأمل وليخطّوا رسما بيانا يشير ليس الى انحدار مستوى النقاش والتخاطب وانّما انحدار الأخلاق لدى أعداد كبيرة من رواد منصات التواصل الاجتماعي.
شماتة بالضحايا المصلين في إمبابة، تركيز على “الآخرة” التي مات عليها جورج الراسي واحتفالات لم تكتمل بأسلمة الشيف ريشارد. صور معبّرة بكل أسف عن الإطار القاتم في المدارس الفكرية للبعض وهذا لا تتحمل مسؤوليته التربية البيتية بالضرورة انطلاقا من وجود كل مصادر الاطلاع والتثقيف على المنصات ذاتها التي يطل من خلالها الكثيرون بألسنة وتغريدات وآراء خالية من الأخلاق والإنسانية!
نقسو قليلاً بالأوصاف لأن ضفّةً لا يُستهان بها على هذا الكوكب فضّلت من خلال صمتها أو المشاركة التسووية بالتفاعل عدم الخوض في مستوى خطير من الجدل يكاد للحظة أن يفتح حرب شوارع حقيقية في موازاة حروب منصات التواصل غير الافتراضية لأنها صنيعة بشر من لحم ودم من جلدة الضحايا في كل مكان وأيا كانت ظروف موتهم ومكان تواجدهم لحظتها!
لسنا دعاة حركة مناهضة للتقدم والتطور ترفض مثلا نقاش هكذا قضايا عميقة عبر المنصات لمجرّد الرفض، غير أن سرعة الانفعال على هذه المنصات باتت تنافس “لحظة الغفلة” التي لطالما حذرتنا منها تقاليدنا وموروثاتنا الجميلة والدافئة.
والأرجح أن الهوة السحيقة تلك سببها غفلة البعض عن أخلاقهم وإنسانيتهم ويكفي التحديق أكثر في مشاهد وفيديوهات النكبات الإنسانية والنفسية والمجتمعية الحاضرة في نفوس اهل وذوي الضحايا في كل مكان لفهم القصة أكثر!
بعض رواد المنصات مطالبون أمام الله الذي وسعت رحمته كل شيء برؤية المشهد معكوسًا وعندها سيكون الوازع الانساني والقيمي والاخلاقي سدا منيعا ومناعة فكرية ضد أي غول يحوم حول مفهوم التعددية محاولا طمسها وبناء غابات التكفير والحساب على تلال ركامها!
التعددية إن سقطت لن يشير إصبع حتى إلى مدافن إنسانيتنا!
فلنتأدّب قليلا!!