د. عمر الفاروق النخال | في كل مرة يخرج فيها لبنان من حرب، يخرج الشيعة منه مثقلين بما لا يُقال، فهم لا يخرجون فقط من تحت الركام، بل من تحت أسئلة أوجع من الركام، أسئلة مدوية تقول: إلى متى يُطلب من هذه الطائفة أن تدفع من لحمها وبيوتها وأعمار أبنائها أثمان حسابات لا تصنعها وحدها، ولا تملك قرار نهايتها؟ وإلى متى يُراد لها أن تكون وقود المعارك، ثم شاهدة صامتة على خرابها، ثم ممنوعة حتى من حق السؤال والاعتراض؟
لا تكمن المأساة في أن الشيعة قاوموا أو ضحّوا، هذه حقيقة يعرفها تاريخ الجنوب والبقاع والضاحية والاغتراب.
فداحة المأساة أن تضحياتهم تحوّلت، مع الوقت، إلى رصيد سياسي يُستعمل فوق رؤوسهم، لا إلى ضمانة كرامة لهم، بحيث صار الدم الذي دفعوه يُستخدم لإسكاتهم، لا لحمايتهم وصارت المقاومة التي خرجت من وجع الناس تُستدعى أحياناً لتبرير مغامرات تعيد الناس أنفسهم إلى الوجع الأول.
الحرب الأخيرة لم تكن مجرد جولة عسكرية عابرة، بل كانت امتحاناً قاسياً لكل السرديات التي قيلت للناس طويلاً.
بيوت دُمّرت، أرزاق احترقت، عائلات نزحت، شباب غابوا، وأمهات انتظرن خبراً لا يأتي لكن في المقابل، بقي القرار الأكبر معلقاً في فضاء إقليمي واسع، حيث إيران تحسب وتفاوض وتناور، بينما شيعة لبنان يدفعون من حياتهم اليومية ومن مستقبل أبنائهم كلفة هذه الحسابات.
كم مرة سيكون مصير هذه الطائفة أن تُنحر كرمى لمعادلات الخارج؟ وكم مرة يُطلب منها أن تصفق للوجع باسم الكرامة، وأن تصمت عن الخسارة باسم الوفاء، وأن تقبل خراب عمرانها باسم النصر؟
لا يمكن لأي خطاب، مهما علا صوته، أن يلغي حقيقة بسيطة تقول بصراحة مدوية أن الناس تعبت والتعب هنا ليس خيانة، بل وعي متأخر بثقل الكلفة.
وليس السؤال اعتراضاً على الكرامة، بل دفاع عنها من أن تتحول إلى شعار يغطّي الفقر والنزوح والموت.
بعد كل هذه المغامرات الفاشلة، لم يعد ممكناً لحزب الله أن يخاطب الشيعة بلغة الفرض والمزايدة فهذه الطائفة ليست جمهوراً قاصراً يحتاج إلى وصاية أبدية، هي من قاوم، وهي من مات، وهي من ودّع الأبناء، وهي من تغرّب، وهي من بنى من الصفر أكثر من مرة وبالتالي لا يحق لأحد أن يحتكر وجدانها، ولا أن يصادر خوفها، ولا أن يضع على فمها ختم التخوين كلما أرادت أن تسأل: إلى أين نذهب؟
إن أخطر ما تتعرض له الطائفة اليوم ليس فقط العدوان الخارجي، بل الإرهاب الفكري الداخلي الذي يريد لها أن تبقى أسيرة خيار واحد وصوت واحد ومصير واحد .. يريد لها أن تعتبر الدولة ضعفاً، والشرعية تنازلاً، والسؤال عيباً، والاختلاف طعنة وهذا وجدانيا أخطر من الدمار المادي، لأنه يصيب الوعي قبل الحجر، ويجعل الإنسان يخاف من التعبير عن وجعه داخل بيئته وبين أهله.
مكافأة الشيعة بعد كل ما دفعوه لا تكون بإرسالهم إلى حرب جديدة، ولا بتخوين من يريد الحياة، ولا بإجبارهم على التصفيق فوق الركام.
مكافأتهم الحقيقية أن يُتركوا ليختاروا الدولة منهجاً ومفهوماً، وأن يروا في سلاح الشرعية اللبنانية وحده ضمانة لا انتقاصاً، وفي المؤسسات وطناً لا خصماً، وفي العدالة حماية لا مؤامرة.
آن لهذا النحر أن يتوقف.
آن لشيعة لبنان أن يخرجوا من وظيفة الوقود إلى حق الشراكة، من منطق الفداء الدائم إلى منطق الحياة الطبيعية، من أسر الحسابات الإقليمية إلى حضن الدولة. فالطائفة التي دفعت كل هذا الثمن لا تستحق أن تُساق إلى هاوية جديدة، بل تستحق أن تُصان، أن تُسمع، وأن تعيش بلا خوف من حرب، ولا خوف من سؤال.