المحامي ميشال فلاّح | كان الصياد، قبل أن يذهب إلى البحر، يتوجه الى المسجد، الى بابه المطل على البحر. لم يكن يحتاج إلى دخول المسجد كل مرة. ربما كانت تكفيه نظرة إلى محراب، أو مصلٍّ، أو مكان يعرف أن الدعاء يسكنه، قبل أن يحمل شباكه وينزل إلى بحرٍ لا يعطي أحداً وعداً بالرزق أو العودة.
من ذاك الباب يمكن أن تُروى حكاية المسجد كله، مسجد عين المريسة. المسجد الذي حمل واجهة زجاجية كبيرة، وكأنها وُجدت لتكون جسر عبور بين المُصلين والبحر، عبرها يدخل النور ومشاهد الافق المفتوح، وعبرها يخرج عبق الإيمان والرجاء بالرزق والسلامة.
فالجامع الذي يقف اليوم بمحاذاة كورنيش بيروت، وسط السيارات والأبراج والمارة، أُنشئ يوم كان البحر أقرب، وعين المريسة محلة ساحلية يعيش كثير من أهلها على إيقاعه. ومنذ ذلك الحين، عبرت أمام بابه السلطنة العثمانية والانتداب والاستقلال والحرب وإعادة الإعمار، فيما بقي هو شاهداً على بيروت التي تغيرت أكثر من مرة.
رجل أوصى بمسجد ولم يره
التاريخ المثبت على المسجد هو 1305 هجرية، الموافق 1887-1888 ميلادية. وتروي المصادر أن افتتاحه جرى في مناسبة المولد النبوي الشريف في 15 تشرين الثاني 1887م، بحضور العلماء والوجهاء، وشارك فيه المنشد المصري الشهير الشيخ سلامة حجازي. أما قصة التأسيس، فتُجمع المصادر على حضور آل بيهم وآل الهبري والشيخ محمد علايا في نشأة الجامع. كما ان الرواية التي ينقلها الشيخ د. أسامة الحداد، إمام المسجد اليوم، عن مختار المنطقة الحاج سامي سبليني تقول إن آل الهبري قدموا الأرض وآل بيهم شيدوا البناء. والثابت أن المسجد كان ثمرة مبادرة خيرية بيروتية شاركت فيها عائلات ووجوه من المدينة، لا مشروعاً سلطوياً فُرض عليها من فوق.
وفي خلفية الحكاية يبرز الحاج عبد الله بيهم، الذي ارتبط اسمه بفكرة إنشاء الجامع، لكنه توفي سنة 1886 قبل اكتمال المشروع، فتابعت عائلته المسعى. تفصيل إنساني صغير يلخص معنى الوقف كله. رجل أراد أن يترك مسجداً بعده، ولم يعش ليسمع الأذان الأول من مئذنته.
حجر بيروت وماء المريسة
لم يُبنَ مسجد عين المريسة ليكون صرحاً ضخماً، إنما جاء على قياس الحي الذي أنشئ فيه، مسجد للصلاة، قريباً من البيوت والبحارة. شُيّد من الحجر الرملي البيروتي، وحمل ملامح عثمانية ظاهرة، ولا سيما في مئذنته التي ترتفع من قاعدة مربعة إلى بدن أسطواني وشرفة تُتوجها نهاية مخروطية. أما الحرم، فتغطيه قبة مركزية محمولة على عقود، تدخل إليه الإضاءة من فتحات تعلو نوافذ الزجاج الملون التي تُعطي رونقاً جميلاً للداخل والخارج. وتحمل أرضه جزءاً من هوية المكان. أما عين الماء الصافية تحت المسجد، والعيون الأخرى التي ارتبطت بها تسمية عين المريسة، فهي لم تعد موجودة اليوم، خصوصاً مع حركة العمران الحديثة.
فوقه قبة، وتحته ماء، وأمامه المتوسط. كأن الجغرافيا نفسها شاركت في رسمه. ويحتفظ الجامع أيضاً بقنطرة حجرية منقولة من أحد مساجد بيروت القديمة، وينسبها الشيخ الحداد إلى جامع الأمير منذر.
الهبري… من المحراب إلى تربية الشباب
من أبرز الأسماء التي ارتبطت بتاريخ الجامع الشيخ محمد توفيق الهبري (1869-1954).. كان والده الشيخ محمد الهبري إماماً للمسجد، وفي سنة 1909 صدر فرمان عثماني بتعيين الشيخ محمد توفيق خلفاً له في الإمامة، قبل انتقاله سنة 1912 إلى جامع القنطاري. لكن الهبري لم يحصر رسالته في المحراب. كان عالماً ومربياً وناشطاً في التعليم والعمل الاجتماعي، وارتبط اسمه بـ«دار العلوم» وبالبدايات الأولى للحركة الكشفية الإسلامية في بيروت، مع المربيين الهنديين عبد الجبار وعبد الستار خيري.
وترتبط ذاكرة المسجد سنة 1912 بانطلاق نشاط كشفي إسلامي مبكر من محيطه. والأدق تاريخياً أن عين المريسة والهبري كانا في قلب البيئة التي احتضنت البدايات الأولى للحركة الكشفية الإسلامية في لبنان، قبل أن تتحول إلى مؤسسة شبابية واسعة الانتشار.
وهكذا تجاوز الجامع وظيفته التعبدية إلى دور تربوي واجتماعي، فالمسجد في بيروت القديمة لم يكن مكاناً تؤدى فيه الصلاة فحسب، بل جزءاً من حياة الحي.
من الترميم إلى الحرب
مر الزمن على الحجر، فاحتاج الجامع إلى التجديد. وفي 1951 رممت المديرية العامة للأوقاف الإسلامية المسجد ومدخله وصحنه المطل على البحر، بإشراف مختار خالد والمهندس فوزي عيتاني. وتذكر المصادر وجود بركة ماء في الصحن الشمالي، ويوم كان المشهد البحري أمام الجامع أكثر انفتاحاً مما هو عليه اليوم.
أما التحول الأكبر فجاء في زمن لم تكن بيروت تبني فيه كثيراً، بل كانت تهدم نفسها. ففي آب 1986، والحرب اللبنانية مشتعلة، بدأ مشروع واسع لتوسعة المسجد بتوجيه من سماحة مفتي الجمهورية الشهيد الشيخ حسن خالد والمديرية العامة للأوقاف الإسلامية، وبمساهمة الدكتور نسيب البربير ولجنة الجامع برئاسة المختار سامي السبليني.
اشترِي العقار المجاور، ووُضعت الدراسات الهندسية، وتابع المهندس مالك قباني التصميم والتنفيذ المعماري بمشاركة عدد من المهندسين. واستمرت الأعمال على مراحل حتى 1993 تقريباً، وبدعم من الرئيس الشهيد رفيق الحريري وغيره من المحسنين العرب واللبنانيين، فارتفعت مساحة الموقع، بحسب المصادر، من نحو 463 إلى 835 متراً مربعاً، وأصبح المسجد قادراً على استيعاب قرابة 800 مصلٍّ.
وحديثاً، اعاد الشيخ اسامة حداد البِركة مع التأهيل الجديد، وجعلها مكانا للوضوء في الجهة الشرقية للمسجد. بدعم كريم من عائلة الحاجة إحسان الزعيم.
كانت المدينة تهدم بيوتها، وأهل عين المريسة يوسعون مسجدهم. إذ لم تكن الحاجة إلى الجامع روحية وحدها. فبحسب شهادة الشيخ أسامة الحداد، أصبح المسجد خلال الحرب منطلقاً لأعمال الإسعاف وخدمة المحتاجين، كما كان الناس يأتون إليه للصلاة.
منبر من ذاكرة بيروت
عبر العقود، مرّت على منبر عين المريسة أسماء بارزة في الحياة الدينية البيروتية. ويذكر الشيخ الحداد أن الشيخ محمد علايا خطب فيه، وكذلك سماحة المفتي الشهيد الشيخ حسن خالد، وصولاً إلى سماحة مفتي الجمهورية الحالي الشيخ عبد اللطيف دريان. ومن الأئمة الذين توالوا على المسجد، الشيخ محمد الهبري ثم ابنه الشيخ محمد توفيق، ثم الشيخ كمال طقوش.
الشيخ أسامة الحداد… الإمام وحارس الذاكرة
اليوم يتولى إمامة المسجد الشيخ الدكتور أسامة الحداد، المفتش العام في دار الفتوى. وفي شهاداته عن الجامع يبدو حافظاً لذاكرته بقدر ما هو إمامه، منه نعرف حكاية العين تحت البناء، وباب المسجد الذي كان البحارة ينظرون عبره، والقنطرة القديمة، ودور المسجد في الحرب والشخصيات التي مرّت بمنبره.
وبين المسجد الذي عرفه بحارة القرن التاسع عشر والمسجد الذي يؤمه الحداد اليوم، تغيرت عين المريسة كلها، ابتعد الشاطئ عن بابه، شُق الكورنيش وارتفعت الأبنية، واختفى كثير من ملامح الحي البحري القديم. أما الجامع، فظل في مكانه ورسالته.
النظرة الأخيرة
لعل أجمل ما بقي من حكايته ذاك الباب البحري. لنتخيل صياداً بيروتياً قبل أكثر من مئة عام. الفجر بزغ باكراً، يحمل شبكته على كتفه، والقارب ينتظره. يتوقف عند المسجد. ينظر من الباب إلى الداخل. ثم يمضي. لا نعرف اسمه، ولا ماذا طلب، ولا ماذا أعاده البحر في ذلك المساء. لكننا نعرف أن أحداً، عندما بُني المسجد، فكر في ذلك البحّار وترك له باباً لنظرة أمل ورجاء.
اليوم اختفت قوارب ذلك الزمن، وصار بين المسجد والماء كورنيش تعبره آلاف السيارات. أما الإنسان، فلم يتغير كثيراً. فلكل واحد بحر يذهب إليه، ومجهول يخشاه، ورجاء يحمله معه. وربما لهذا كان هذا الباب مطلاً تاريخياً صوب البحر ورزقه، ومشهداً روحانياً يحمله صوب منبر ومحراب المسجد، ليطلب من الله الرزق له ولعائلته، والامان لمجتمعه ووطنه.