1. Home
  2. زوايا
  3. “السيدة” التي تحرس ذاكرة رأس بيروت
“السيدة” التي تحرس ذاكرة رأس بيروت

“السيدة” التي تحرس ذاكرة رأس بيروت

0
0

المحامي ميشال فلاّح | في رأس بيروت، للأمكنة ذاكرة أطول من ذاكرة الناس. إذ يرحل أصحاب البيت، ويُهدم البيت. يصير الدكان مقهى، والحديقة بناية، والطفل الذي كان يركض في الزقاق يصير جداً يحكي لأحفاده عن بيروت لا يعرفونها. لكن شيئاً يبقى: حجر هنا، شجرة هناك، صورة عتيقة في درج، رائحة بيت قديم… أو جرس كنيسة يشق ضجيج المدينة فيعيد، لثوانٍ، ما مضى. هناك، بين المكحول وبلس وجان دارك، على مقربة من الجامعة الأميركية، تقف كنيسة نياح السيدة للروم الأرثوذكس. لكن أبناء الحي لا يحتاجون إلى الاسم كاملاً. يقولون “السيدة”. وكأن مريم العذراء واحدة من أهل رأس بيروت.

قبل أن تأتي “السيدة”

في منتصف القرن التاسع عشر، لم تكن رأس بيروت المدينة التي نعرفها اليوم. كانت عند أطراف بيروت، تتخللها الأراضي والبساتين والمسارات الترابية، وكانت المسافة التي نقطعها اليوم في دقائق رحلة لها حسابها، خصوصاً في الشتاء. وكان للروم الأرثوذكس المقيمون هناك إيمانهم، لكن لم تكن لهم كنيستهم القريبة. كانوا يقصدون كنائس أبعد للصلاة والمعمودية، ويدفنون موتاهم بعيداً عن بيوتهم.

ومن الحاجة بدأت الحكاية. قدمت عائلتا ربيز وبخعازي الأرض، ولم يكن المشروع كنيسة فقط، بل مكاناً تكتمل حوله حياة الجماعة، كنيسة ومقبرة ومدرسة. اكتمل البناء سنة 1860، وفي 18 شباط 1861 كُرست الكنيسة للعبادة، وكان الأب واكيم جحشان أول كاهن يخدمها.

كانت صغيرة، نحو 170 متراً مربعاً. لكن الأمكنة لا تُقاس دائماً بالمتر. كبرت “السيدة” بما حمله الناس إليها، طفل يُعمَّد، عروسان يقفان أمام الهيكل، أم تشعل شمعة، وراحل يُحمل للمرة الأخيرة. وإلى الشمال قامت المقبرة، وإلى جوار الكنيسة المدرسة.وهكذا اجتمعت دورة الحياة في فسحة واحدة، نتعلم هنا، نصلي هنا، نفرح هنا… وحين تنتهي الرحلة، نستريح هنا.

وكبرت رأس بيروت حولها

بعد سنوات قليلة، تأسست سنة 1866 الكلية السورية البروتستانتية، وانتقلت سنة 1873 إلى حرمها في رأس بيروت، لتصبح لاحقاً الجامعة الأميركية. وبدأ وجه المنطقة يتغير. جاء الطلاب والأساتذة، وانتقلت العائلات طلباً للعلم والعمل، واتسعت الشوارع وكثرت البيوت والدكاكين. وعاشت العائلات الأرثوذكسية القديمة إلى جوار عائلات بيروتية مسلمة ومسيحية من مذاهب مختلفة، فنشأ ذلك المزيج الذي أعطى رأس بيروت بعضاً من روحها.

ولم يكن الناس يومها يحتاجون إلى مؤتمرات عن العيش المشترك. كانوا يعيشونه. الجار يعرف جاره، والأم تعرف أولاد الجيران، والدكان يعرف زبائنه بالاسم، والناس يعرفون من مرض ومن تزوج ومن عاد من السفر. وكان جرس «السيدة» واحداً من أصوات الحي. لم يسأل المسلم لماذا يرن الجرس، كما لم يسأل المسيحي لماذا يرتفع الأذان. هذه كانت بيروت.

مدرسة لا تسأل الطفل عن طائفته

ولعل أجمل ما في حكاية «السيدة» أنها لم تحتفظ بأولادها داخل جدران الكنيسة. فقد نشأت إلى جوارها مدرستان، للصبيان والبنات، ثم مرت المؤسسة بمراحل متعددة حتى ثانوية السيدة الأرثوذكسية بصورتها الحديثة. وفي مرحلة من تاريخها أصبحت المدرستان في عهدة الدولة مدرستين رسميتين، قبل أن يستعيد الوقف دوره التربوي.

ولم يكن مقعد الدراسة يسأل الطفل عن طائفته. دخل المسلم كما دخل المسيحي. وفي 1971 بدأ بناء المدرسة الحديثة واكتمل في السنة التالية، وتعاقب عليها مربون تركوا أسماءهم وتركوا، أهم من الأسماء، أجيالاً تعلمت أن الاختلاف لا يمنع الجلوس على المقعد نفسه.

ثم جاءت الحرب

عام 1975 تغيرت لغة بيروت. حل صوت القذائف مكان ضجيج المدينة، وصارت الشوارع التي كانت تصل الناس ببعضهم خطوط خوف وفصل. تفرقت عائلات، وهاجر كثيرون، وغابت وجوه اعتادت الكنيسة أن تراها كل أحد. لكن «السيدة» بقيت.

وفي صيف 1976 جاء إليها الأرشمندريت إسكندر نصر. ولم يكن زمن الحرب يسمح للكنيسة بأن تكتفي بالصلاة. قامت أعمال إغاثة للفقراء والمهجرين، وهنا يصبح التاريخ أكبر من الأسماء والتواريخ. فالجائع لا يسأل اليد التي تقدم إليه الرغيف عن طائفتها، والمهجر لا يسأل الباب المفتوح أمامه عن هوية صاحبه. كان المطلوب أن يبقى الإنسان إنساناً. وكان ذلك، ربما، أجمل أشكال الصلاة.

أجيال تسلّم أجيالاً

انتهت الحرب، لكن الحروب لا تنتهي في حياة الناس في يوم واحد. يبقى منها بيت فارغ، وولد هاجر، وعائلة توزعت بين القارات، ومقعد في الكنيسة اعتاد صاحبه أن يجلس عليه ثم بقي ينتظره. وكان على «السيدة» أن تجمع ما بعثرته الأيام. وفي تلك العقود ارتبط اسم الأب جرمانوس الحاج بأجيال من أبناء الرعية. لم تكن التربية عنده درساً دينياً ينتهي بخروج الأولاد من الصف، كانت ترتيلاً ومسرحاً ونشاطاً واجتماعات وشباباً يتعلمون أن الكنيسة ليست مكاناً يزورونه، بل جماعة ينتمون إليها.

كبر أولئك الأولاد. بقي بعضهم، وهاجر بعضهم. لكن كثيرين، حين يعودون إلى بيروت، يعرفون الطريق. فالطفل الذي دخل «السيدة» ممسكاً بيد أمه، يعود أباً ممسكاً بيد ابنه. وهكذا لا تستمر الرعية بالحجارة وحدها، بل بهذه السلسلة الخفية التي تسلّم جيلاً إلى جيل.

“بدي أمرق عالسيدة”

في الخامس عشر من آب، تمتلئ الكنيسة في عيد نياح والدة الإله، يرتفع البخور وتخرج التراتيل إلى الشارع. والاسم نفسه يحمل سر الإيمان: نياح، ولكن ليس نهاية. رقاد، لكن وراءه حياة. حزن، وفي قلبه رجاء. ولعل رأس بيروت تفهم ذلك أكثر من سواها. فهي أيضاً رقدت مراراً ولم تمت. عرفت الحرب والهجرة والفقد، واختفت بيوت ودكاكين ووجوه. ومع ذلك بقي شيء منها. بقيت الجامعة. بقيت أسماء الشوارع. وبقيت “السيدة”.

إذا مررت مساءً من المكحول وخف ضجيج السيارات للحظة، قد تسمع الجرس. عندها لا يعود الصوت مجرد معدن يضرب معدناً. يصير صوت الذين مروا من هنا. بعض الأمكنة نسكنها. وبعض الأمكنة تسكننا.

أما «السيدة»، فقد فعلت الأمرين.

“السيدة” اليوم

واليوم يحمل الأب نقولا سميرة هذه الأمانة في رأس بيروت مختلفة كثيراً عن تلك التي عرفها واكيم جحشان. ارتفعت الأبنية، واختفت بيوت، وتبدلت المحال، وتغير سكان الحي. هاجر كثيرون وجاء آخرون، وصار الشارع أسرع والمدينة أكثر صخباً.

لكن «السيدة» لم تتحول إلى متحف لذاكرة جميلة. ما زالت حية. ما زالت الصلاة تقام فيها، والأطفال والشباب يجتمعون حولها، ويُعلَّم الترتيل، وتستمر النشاطات الرعائية والاجتماعية. وما زال بابها يؤدي الوظيفة التي أريدت له منذ أكثر من قرن ونصف: أن يكون مفتوحاً على الناس.

وحين يقف الأب نقولا اليوم أمام الهيكل، فهو لا يقف وحده. خلفه، بطريقة ما، يقف واكيم جحشان ونقولا خلف ويوحنا صقاب وجرمانوس الحاج وإسكندر نصر وأنطونيوس أكسرليس، وكل الذين خدموا هذا المكان. وأمامه أجيال لم تكن قد وُلدت عندما دق جرس «السيدة» للمرة الأولى. وبين هؤلاء وأولئك، أكثر من مئة وستين سنة من رأس بيروت، الذاكرة والهوية والدور.


tags: