1. Home
  2. زوايا
  3. مار الياس القنطاري… الكنيسة الشاهدة
مار الياس القنطاري… الكنيسة الشاهدة

مار الياس القنطاري… الكنيسة الشاهدة

0
0

المحامي ميشال فلاّح | في القنطاري، على كتف بيروت المطلّ نحو البحر، تقف كنيسة مار الياس للموارنة كأنها بقيت في مكانها لتتولى مهمة واحدة، أن تتذكّر. تتذكر زمناً كانت فيه المنطقة حياً هادئاً من بيوت وحدائق، ثم صارت على مقربة من قصر الرئاسة وفنادق العاصمة الكبرى. تتذكر رؤساء جمهورية دخلوا إليها صباح الأحد، وعائلات ملأت مقاعدها، وحرباً فرّقت أبناءها. وتتذكر كاهناً كان يعبر بيروت المنقسمة ليقيم القداس، ومهجّرين عادوا بعد سنوات ليجدوا جرسها ينتظرهم.

واليوم، حين تبدلت القنطاري وتقلصت الرعية القديمة، وجدت مار الياس لنفسها رعية أخرى، أناساً يأتون إليها من كل بيروت، ومن كل المناطق.

قبل 1907… كانت الحكاية قد بدأت

لم تبدأ مار الياس بالبناء الذي نراه اليوم. فالمصادر الكنسية تتحدث عن مزار قديم وكنيسة سابقة في وسط بيروت اندثرت معالمهما، قبل أن تُشيَّد الكنيسة الحالية سنة 1907 في عهد مطران بيروت يوسف الدبس. وللبناء دلالة تتجاوز الحجر. فمار الياس تُعد أول كنيسة مارونية رعوية في بيروت، إذ كانت كاتدرائية مار جرجس كنيسة المطرانية. ومع مار الياس بدأت تتبلور صورة مختلفة للحضور الماروني في العاصمة، كنيسة مرتبطة بحي وعائلات وحياة يومية، لا بمركز المطرانية وحده. واختير لها النبي إيليا شفيعاً، «مار الياس الحي» كما يسميه اللبنانيون، ذلك النبي الذي احتل مكاناً خاصاً في الوجدان الشعبي حتى انتشرت الكنائس والمزارات التي تحمل اسمه في لبنان.

كنيسة على كتف القنطاري

لم تكن مار الياس كنيسة ضخمة، ولم تحتج إلى الضخامة. بحجارتها الرملية الصفراء، وسقفها القرميدي وخطوطها الهادئة، حملت شيئاً من عمارة بيروت التي كانت تتشكل مطلع القرن العشرين، شرقية في دفء الحجر، ومتوسطية في بساطتها وانفتاحها. وقامت في موضع سيجعل التاريخ يأتي إليها بنفسه.

فحين أصبح قصر القنطاري مقراً لرئاسة الجمهورية، وجدت الكنيسة نفسها جارة للرئاسة. وارتبط بها ثلاثة من رؤساء لبنان: إميل إده، وبشارة الخوري، وكميل شمعون. ويمكن تخيل صباح أحد في أربعينيات أو خمسينيات القرن الماضي، سيارة الرئاسة تتوقف، الحرس في الخارج، والرئيس يدخل إلى الكنيسة.

لكن عند الباب كانت الألقاب تخف. في الداخل، رئيس الجمهورية واحد من المصلين. ولهذا عرفت مار الياس زمناً كانت فيه، بطريقة غير رسمية، كنيسة الرؤساء وكنيسة أهل القنطاري معاً.

رعية كانت مدينة صغيرة

كبرت الرعية مع بيروت. وقبيل الحرب، كان عدد أبنائها يتجاوز ثلاثة آلاف، وكانت في السبعينيات من أكبر الرعايا المارونية في العاصمة. هنا كان الطفل يُعمّد، وهنا المناولة الأولى، وهنا يقف العروسان، وهنا أيضاً تأتي العائلة لتودع واحداً من أبنائها. فالكنيسة القديمة لا تحفظ تاريخها في سجلاتها فقط. تحفظه في عدد المرات التي قال فيها أهل الحي: “منلتقي بمار الياس”.

ثم جاءت سنة 1975، وتغيّر معنى الجملة.

حين اقتربت الحرب

كانت مار الياس قريبة جغرافياً من أحد أكثر مسارح الحرب قسوة: محور القنطاري وكليمنصو والمنطقة التي شهدت «حرب الفنادق». الفنادق الكبرى وبرج المر والطرقات المؤدية إلى وسط بيروت تحولت إلى مواقع قتال وقنص، وانقسمت المدينة التي كانت تصل أحياءها ببعضها. وقد وصلت الحرب إليها بما هو أعمق من المعركة، أصابت مبناها وشتتت رعيتها.

تهجرت العائلات. وأقام مهجرون بين جدران الكنيسة. وأصبحت المقاعد التي كانت تمتلئ كل أحد تنتظر وجوهاً انتقلت إلى مناطق أخرى. وفي وسط ذلك ظهر اسم سيبقى مرتبطاً بذاكرة مار الياس: الخوري خليل أبي نادر، الذي أصبح لاحقاً مطراناً.

لم يكن يقبل بسهولة أن تتحول بيروت إلى مدينتين. وتستعيد شهادات كنسية كيف كان يصر على الوصول إلى مار الياس لإقامة القداس في الآحاد والأعياد، حتى في سنوات الخطر، ويصل إليها أحياناً سيراً على قدميه. وفي ذلك قرأ المطران بولس مطر لاحقاً موقفاً يتجاوز الخدمة الرعوية، رفضاً لمنطق تقسيم بيروت، وتمسكاً بالمصالحة والعيش بين المسلمين والمسيحيين.

ثم جاء صيف 1982

كانت بيروت تحت الاجتياح والقصف. وجاء عيد مار الياس. كان يمكن إلغاء القداس. وكانت الأسباب أكثر من كافية. لكنه أُقيم. وتوثق «السفير» أن خليل أبي نادر ترأس يومها قداس عيد شفيع الكنيسة تحت الرصاص والنار. لم يكن ذلك تحدياً للحرب بقدر ما كان رفضاً لأن تصبح الحرب أقوى من الحياة.

الذين غادروا… ولم يغادروا

انتهت الحرب، لكن الرعية القديمة لم تعد. استقرت عائلات في مناطق نزوحها، وسافر آخرون، وتغيرت ديموغرافية القنطاري. غير أن أمراً غريباً حدث، غادرر الناس المكان، ولم يغادرهم المكان. ظل بعضهم يعود ليقيم أعراس أولاده في مار الياس، ومن توفي منهم أراد أن تكون الصلاة الأخيرة عليه أمام مذبح الكنيسة التي عرفها صغيراً.

في 20 تموز 2002 عاد الجرس رسمياً

كانت أعمال الترميم لم تنتهِ بعد، لكن أبناء الرعية سبقوا انتهاء الورشة. حضروا من الأماكن التي أصبحت بيوتهم الجديدة، وكان بينهم ميشال الخوري، نجل الرئيس بشارة الخوري. بقيت المقاعد القديمة. وعاد تمثال العذراء الذي نُقل خلال الحرب إلى مكانه. أما تمثال المسيح فكان لا يزال يحمل أثر شظية في القلب. لم تكن الكنيسة بحاجة إلى نصب تذكاري للحرب. كان الجرح موجوداً فيها.

من كنيسة الرعية إلى كنيسة المدينة

ومع السنوات، بدأت مرحلة أخرى. في عهد المونسنيور أنطوان عساف تغيرت وظيفة مار الياس من دون أن تتغير هويتها. فالرعية الجغرافية التي كانت تعد بالآلاف لم تعد كما كانت. لكن أبواب الكنيسة اتسعت، بمعنى آخر، إلى خارج القنطاري. وتصفها أبرشية بيروت اليوم بأنها “واحة روحية مفتوحة للجميع”، يقصدها مؤمنون من مناطق مختلفة، وتتسع لنحو ثلاثمائة شخص. ويشارك عساف اليوم في خدمتها مع الخوري ريمون قسيس والخوري شربل سلامة.

وصارت الكنيسة مقصداً للأكاليل حتى لعروسين ليسا من أبناء الرعية، يختاران مار الياس لجمالها وخشوعها وموقعها وذاكرتها. وفيها أيضاً وجدت الريسيتالات والأمسيات الروحية مكاناً طبيعياً لها. فالترتيل حين يرتفع بين الحجر القديم والزجاج الملون لا يبدو حفلاً بقدر ما يبدو امتداداً للصلاة.

وهكذا حدثت مفارقة جميلة، صغرت الرعية، واتسعت الكنيسة.

البيت ما زال هنا

مر أكثر من قرن على بناء مار الياس. غاب يوسف الدبس، وغاب الرؤساء الثلاثة الذين عرفوا طريقها. رحل خليل أبي نادر. وتفرقت العائلات التي كانت تملأ القنطاري. تغير الحي. وتغيرت بيروت. لكن الكنيسة بقيت. ربما لهذا تبدو حكايتها أكبر من تاريخ مبنى.

بدأت مزاراً، ثم أصبحت أول رعية مارونية في بيروت. صارت كنيسة للرؤساء من دون أن تتوقف عن كونها كنيسة الناس. وفي الحرب أصبحت كنيسة لمن بقي ومن احتمى بها. وبعد الحرب كانت بيتاً يعود إليه الذين هجرتهم الأيام.

واليوم، في عهد أنطوان عساف، أصبحت شيئاً آخر أيضاً، كنيسة لمن يختارها. وحين يعلو فيها صوت الترتيل، أو يقف عروسان أمام مذبحها، أو يدخل شخص لا يعرف أحداً في القنطاري ويجلس في آخر مقعد، تستمر الحكاية نفسها. فالرعية ليست دائماً الذين يسكنون حول الكنيسة.

أحياناً، الرعية هي الذين تحملهم الطرق إليها. وإذا مررت مساءً في القنطاري وسمعت جرس مار الياس، ربما لن تسمع صوت كنيسة شُيدت سنة 1907 فحسب. ستسمع رؤساء مروا من بابها، وعائلات كبرت بين مقاعدها، وكاهناً عبر مدينة الحرب ليقيم القداس، ومهجّرين عادوا بعد غياب، وعروسين يبدآن اليوم حكاية جديدة. فالمدن تغيّر أهلها وأبنيتها وطرقاتها.

لكنها تترك أحياناً بيتاً قديماً ليحفظ أسماء الذين مروا. وفي القنطاري، ما زالت كنيسة مار الياس تقول لهم، البيت ما زال هنا.


tags: