1. Home
  2. زوايا
  3. جامع ذي النورين… حَوْله تحرّكت بيروت
جامع ذي النورين… حَوْله تحرّكت بيروت

جامع ذي النورين… حَوْله تحرّكت بيروت

0
0

المحامي ميشال فلاّح | في بيروت، ثمة أبنية تسكن المدينة، وثمة أبنية تسكنها المدينة. وعند تقاطع بشارة الخوري ورأس النبع، وسط هدير السيارات والأبنية التي ازدحمت حتى كادت تحجب السماء، يقف “جامع الخليفة عثمان بن عفان، ذي النورين”. يعرفه البيارتة بـ”جامع رأس النبع”، ويعرفه آخرون بـ”ذي النورين”. لكن الذين بنوه لم يعرفوا شيئاً اسمه شارع بشارة الخوري.

المسجد كان هنا أولاً ثم جاءت بيروت إليه

في أواخر القرن التاسع عشر، كانت المدينة القديمة قد بدأت تخرج من أسوارها وتتمدد نحو الباشورة ورأس النبع والمزرعة وطريق الشام. ولم يكن اسم “رأس النبع” مجازاً. ارتبطت المنطقة بمصادر المياه التي غذّت بيروت، وتروي المصادر أن الوالي أحمد باشا القيصرلي أمر، في زمن انتشار الكوليرا، بحفر بئرين قرب بئر رأس النبع لزيادة المياه المتاحة للمدينة. وحتى في حفريات حديثة في شارع بشارة الخوري ظهرت بقايا تمديدات قديمة إلى الغرب من الجامع.

وفي هذه الجغرافيا قامت الحكاية. فقد وثقت صحيفة “السفير”، في مادة أرشيفية تعود إلى سنة 1988، أن “مسجد رأس النبع أنشئ سنة 1882 على يد المحسن عمر الغزاوي”. وتذكر مصادر تاريخية محلية أن كبار السن كانوا يتحدثون أيضاً عن بركة ماء في الفسحة الشمالية أمام المسجد.

اختير له اسم ثالث الخلفاء الراشدين، “عثمان بن عفان”، الذي عرف في التراث الإسلامي بـ”ذي النورين”، لزواجه من رقية ثم أم كلثوم، ابنتي النبي محمد (ص). لكن الاسم، مع الزمن، لم يعد للمسجد وحده. صار اسماً للمكان.

من الصلاة إلى المدرسة

لم يكن المسجد في بيروت القديمة مكاناً للصلاة فحسب. كان الحي يحتاج أيضاً إلى المدرسة. في سنة 1931 تأسست في رأس النبع “مدرسة عثمان بن عفان ذي النورين” التابعة لجمعية المقاصد الخيرية الإسلامية، ضمن حركة تربوية واسعة قادتها الجمعية لنشر التعليم بين أبناء بيروت. وبعد ثلاث سنوات فقط، حدث شيء يستحق أن يبقى في ذاكرة المدينة.

ففي سنة 1934 اتخذت المدرسة مقراً لـ”معهد البكالوريا المسائي”، الذي تصفه المصادر المقاصدية بأنه الأول من نوعه في بيروت ولبنان. كان مخصصاً لمن لا يستطيع التعلم نهاراً، فيعمل ليكسب رزقه ثم يأتي مساءً ليكمل دراسته. ويمكن للخيال أن يعيد المشهد. تنتهي ساعات العمل. يقفل شاب دكانه، أو يترك آخر مهنته، يحمل كتابه ويتجه إلى رأس النبع. المدينة تستعد للنوم، فيما تبدأ في “ذي النورين” حصة أخرى.

كان المكان يصالح، ببساطة، بين لقمة العيش والرغبة في العلم.

“الزَّينورين”

للتاريخ الكبير دائماً ذاكرة صغيرة لا نجدها في السجلات. فالمفكر والناقد الراحل الدكتور وجيه فانوس، الذي كان تلميذاً في المدرسة سنة 1957، استعاد لاحقاً أيامه فيها، وكيف كان الأولاد يطلقون عليها بلسانهم الطفولي اسم “الزَّينورين”. وتظهر في صورة قديمة بناية المدرسة بطابقيها، وإلى جانبها مئذنة مسجد رأس النبع.

ويتذكر فانوس مدير المدرسة الشيخ محمد غزال، ذلك المربي الذي كان مجرد ظهوره على الدرج كافياً ليعم الصمت. وكان غزال قد دخل التعليم المقاصدي سنة 1932، ثم تولى إدارة مدرسة عثمان ذي النورين من 1953 حتى 1966. ومن معلميها أيضاً عبد الرزاق صالح، الذي أصبح لاحقاً خطاطاً وفناناً ومن قراء القرآن المعروفين في لبنان.

وهكذا، لم يكن حول الجامع مصلون فقط. كان هناك أطفال يركضون على الدرج، ومعلمون، ودفاتر، وجرس مدرسة، وأذان مسجد.

 ثم جاء الشارع

كبرت بيروت بسرعة. وشُق المحور الذي سيصبح شارع بشارة الخوري، فغيّر جغرافية رأس النبع القديمة، حتى إن الطريق قسم مدرسة عثمان ذي النورين إلى قسمين. ثم وُضع تمثال أول رئيس للجمهورية بعد الاستقلال، بشارة الخوري، في المنطقة سنة 1967، فارتبط المكان باسمه. وهكذا لم يُبنَ جامع ذي النورين في شارع بشارة الخوري. شارع بشارة الخوري هو الذي جاء، بعد عقود، إلى الجامع. وتراجعت البساتين والبيوت ذات الحدائق أمام الإسفلت والأبنية والمتاجر. لكن المئذنة بقيت تشير إلى المكان.

حين كان الجرس يجاوب الأذان

تحتفظ ذاكرة رأس النبع بصورة أجمل من كل الخرائط. يروي أحد أبناء المنطقة أن أذان جامع عثمان بن عفان كان يصل من بشارة الخوري نحو المزرعة ورأس النبع، فيما كان جرس كنيسة مار مخايل يصل هو الآخر إلى بيوت الحي.  لم يكن أحد يحتاج إلى أن يسمي ذلك “عيشاً مشتركاً”. كان الناس يعيشونه. يعرف الجار جاره، ويعرف الدكان أهله، ويعرف الحي من تزوج ومن مرض ومن عاد من السفر. أذان من هنا. وجرس من هناك. وبيروت بينهما.

ثم جاءت الحرب

عام 1975 تبدلت الأصوات. صارت منطقة بشارة الخوري ورأس النبع على تماس مع الخوف، وظهرت مواقع القنص، وهجرت عائلات بيوتها. ولم تمر الحرب إلى جانب المسجد فقط. وصلت إليه. فقد دمرت مئذنته وخربت جانباً من موجوداته، بحسب ما وثقته «السفير»، فيما تسجل مصادر أخرى إصلاحات وإضافات أُجريت فيه سنة 1977، أي في قلب الحرب.

سقطت المئذنة. لكن المسجد لم يسقط من ذاكرة الحي. فالحجر يمكن أن تهدمه قذيفة، أما المكان حين يسكن الناس، فأصعب على الحرب أن تقتل معناه.

وعادت المئذنة

بعد الحرب، بدأ فصل آخر. أعيد بناء المسجد وتوسعته، وتوثق «السفير» أن مفتي الجمهورية الشيخ محمد رشيد قباني زاره سنة 1997 واطلع على أعمال إعادة البناء والتوسعة، برفقة إمام المسجد الشيخ أسامة شهاب ورئيس اللجنة أحمد ناجي فارس.

وارتبط اسم أحمد ناجي فارس بمرحلة مهمة من حياة «ذي النورين»، إذ ترأس مجلس أمناء المركز وأسهم، مع القائمين عليه، في توسيع دوره من مسجد للصلاة إلى مؤسسة ذات نشاط رعائي وخيري وصحي وثقافي واجتماعي.

وهكذا، اتسع المكان، لكن فكرته الأولى لم تتغير كثيراً، أن يكون للناس.

المسجد الذي بقي

اليوم، يبدو جامع عثمان بن عفان مختلفاً عن المسجد المتواضع الذي قام سنة 1882. تغير البناء، واتسعت مرافقه، واختفت البركة التي يتذكرها القدماء، ولم تعد المدرسة القديمة كما كانت. وغاب عمر الغزاوي، والشيخ محمد غزال، وأولئك الأطفال الذين كانوا يقولون «الزَّينورين». لكن المكان بقي. وبقي يؤدي وظيفة تتجاوز الصلاة. في قاعاته تقام مجالس العزاء والموالد واللقاءات الاجتماعية والدينية والعامة، كما ظل جزءاً من حياة المنطقة وشؤون أهلها.

وربما لا تكمن قيمة «ذي النورين» في أنه أقدم مساجد بيروت أو أفخمها، فهو ليس كذلك. قيمته في شيء آخر.  أنه بقي في مكانه بينما تحركت بيروت كلها من حوله. رأى رأس النبع حين كان الماء جزءاً من اسمها، ورأى مدرسة تستقبل الأطفال ومعهداً يستقبل العاملين ليلاً. رأى الشارع يشق الحي القديم، والأبنية ترتفع، والجرس يجاوب الأذان. ثم رأى الحرب تسقط مئذنته. ورآها ترتفع من جديد.

واليوم، إذا وقفت عند بشارة الخوري وسط هدير المحركات، وارتفع الأذان من «ذي النورين»، حاول أن تنصت إليه بعيداً عن أبواق السيارات. ربما لن تسمع فقط مؤذناً يدعو إلى الصلاة. ربما ستسمع خلف صوته شيئاً من الماء الذي أعطى رأس النبع اسمها، وضجيج أطفال «الزَّينورين»، وخطوات عامل جاء يحمل كتابه بعد يوم طويل، وصوت مئذنة هدمتها الحرب ثم عادت.

فبعض الأبنية تحفظ تاريخها في الحجر. أما بعضها الآخر، فيحفظ تاريخ المدينة التي عاشت حوله. وجامع ذي النورين، منذ سنة 1882، يفعل الأمرين.


tags: