لا أعرف متى صار الطعام جزءًا من عدّة التحليل السياسي، ولا كيف اقتنع بعض صنّاع المحتوى بأن مناقشة الملفات الاستراتيجية حول مائدة مكتظة بالأطباق تمنح الحوار قيمة إضافية.
شاهدت فكرة “الوليمة” فوجدت نفسي أمام سؤال مهني أكثر منه شخصيًا: ماذا يضيف هذا الشكل إلى النقاش، وما الذي كان سينقص منه لو جلس المشاركون حول طاولة عادية، بلا كل هذا الاستعراض؟
لا أتوقف هنا عند أي من الزملاء المشاركين، ولا أناقش أسماءهم أو آراءهم، فاعتراضي هو على الفكرة نفسها، وعلى نموذج بات يتسع في الإعلام العربي، حيث أصبح البحث عن القالب اللافت يسبق أحيانًا البحث عن المحتوى الذي يستحق أن يُقدَّم.
بعد نحو عشرين عامًا لي في الإعلام دراسة وممارسة وتدريبا بين الممارسة والدراسة، يصعب عليّ النظر إلى أي عنصر داخل الكادر باعتباره تفصيلًا بريئًا، وأبسط قواعد علم الشاشة يقول إن في التلفزيون، للصورة وظيفة، وللمكان وظيفة، وحتى للصمت وظيفة.
أن نناقش إيران والمنطقة والتحولات الاستراتيجية والصراعات الكبرى وسط وليمة ضخمة، فالأرجح أننا أمام عنصر بصري هدفه إثارة الانتباه أكثر من خدمة المعنى، وهنا تحديدًا يبدأ الجوع الحقيقي.
ليس جوع الجالسين إلى الطعام، بل جوع صناعة إعلامية كاملة إلى “الترند”، وإلى لقطة قابلة للاقتطاع والتداول، وإلى شكل مختلف ولو لم يكن لهذا الاختلاف مبرر تحريري حقيقي.
مما يؤسف له أنه أصبحت لدينا حساسية مفرطة تجاه البساطة وكأن الحوار الجيد لم يعد يكفي وكأن الصحافي الذكي، والضيف المتمكن، والسؤال المحكم، عناصر عاجزة عن حمل برنامج من دون إضافة حركة هنا، وديكور هناك، وصحن كبير في المنتصف.
الإعلام لا يصبح مبتكرًا لمجرد أنه غيّر الطاولة فالابتكار هو أن تجعل المشاهد يعرف بعد الحلقة شيئًا لم يكن يعرفه، أو يفهم قضية معقدة بصورة أوضح، أو يسمع من الضيف إجابة لم تستخرجها منه عشرات المقابلات السابقة. أما تغيير شكل الجلسة مع إبقاء المضمون في مداره المعتاد، فليس ثورة في صناعة المحتوى، بل في أفضل الأحوال تغيير في التغليف.
والمفارقة أن المائدة في “الوليمة” تكاد تختصر حال جزء من إعلامنا القابع بكلّ أسف ما بين وفرة شديدة في الشكل، وجوع واضح في الفكرة.
لدينا اليوم كاميرات أفضل، استوديوهات أجمل، تقنيات أكثر، منصات أسرع، وإمكانات إنتاج لم تكن متاحة قبل سنوات لكن هذه الوفرة لم تنتج دائمًا أفكارًا بمستواها، وكل ما يجري بدلا من إطلاق ورش الابتكار محاولة تعويض فقر الفكرة بكثافة الصورة.
حتى الطعام هنا يبدو أكثر حضورًا مما ينبغي.، أكوام من الأطباق تحتل مساحة كبيرة من المشهد فيما يفترض أن يكون النقاش هو الأساس.
وليس الأمر اعتراضًا على الطعام ولا دعوة إلى مشهدية متقشفة، بل الانتباه مرة جديدة إلى قاعدة بسيطة في صناعة الصورة تقول إن كل عنصر لا يخدم المعنى يتحول، مهما كان جميلًا، إلى ضجيج.
المشكلة أيضًا أننا نعيش زمنًا باتت فيه الخوارزمية شريكًا خفيًا في غرف التحرير فالجميع يريد لقطة تنتشر، وجملة تتحول إلى “ريل” ومشهدًا يدفع الجمهور إلى التوقف عند الشاشة.
هذا مفهوم إلى حد ما، لكن الخطر يبدأ عندما نصنع البرنامج كله من أجل اللقطة، بدل أن تكون اللقطة نتيجة طبيعية لبرنامج جيد.
لذلك لا أرى “الوليمة” مجرد محتوى يمكن أن يعجبني أو لا يعجبني، بل عارضًا لمشكلة أوسع.
إنه جوع عطيق، قديم في جوهره وإن ارتدى ثياب المنصات الحديثة.. الجوع إلى الشهرة، إلى الاختلاف السريع، إلى الضجيج، وإلى إقناع الجمهور بأن الشكل الجديد يعني بالضرورة محتوى جديدًا.
لكن الجمهور عمليا ليس جائعًا إلى مزيد من الصحون ..هو جائع إلى فكرة.
والمائدة مهما امتلأت، لن تشبعه.