عمر الفاروق النخال | ثمة قلق بات يرافق أهل بيروت مع كل استحقاق يُفترض أن يكون فرصة لاستعادة شيء من قرارهم العام.
ننتظر الانتخابات البلدية أو النقابية أو العائلية باعتبارها مساحة يمكن أن يقول فيها البيروتي كلمته بعيدًا عن القيد السياسي الذي لازم المدينة طويلًا، لكن ما إن تُفتح الصناديق حتى نعود إلى المتاهة نفسها المحمّلة بنفس الأسئلة.. من انتصر على من، ومن خسر نفوذه، ومن تقدم، ومن تراجع.
لكأن بيروت لا يحق لها أن تنتخب إلا لكي تقدم لنا اختبارًا جديدًا في موازين القوى، لا لكي تعبّر عن مزاجها وحاجاتها وتحولاتها.
من هنا، لم تكن انتخابات اتحاد جمعيات العائلات البيروتية مجرد استحقاق عابر، ليس لأن الاتحاد قادر وحده على إعادة رسم الخريطة السياسية للعاصمة، ولا لأن صندوقًا انتخابيًا من هذا النوع يحتمل كل التأويلات التي حُمّل بها، بل لأن النتيجة جاءت في توقيت حساس بالنسبة إلى مدينة لا تزال تبحث عن شكل تمثيلها، وعن المسافة التي تريدها بينها وبين القوى التي اعتادت التحدث باسمها.
لذلك كان يمكن قراءة ما حصل بوصفه عودة صحية إلى التنافس والتعدد، لكن المشهد اتجه سريعًا إلى مكان آخر، حيث طغت لغة الأرقام والثأر السياسي والشماتة ومحاولات التقليل من دلالة النتيجة.
العيب الحقيقي ليس في أن فريقًا ربح وفريقًا خسر، فهذه أبسط قواعد أي انتخابات، بل في تحويل الاستحقاق إلى مناسبة لإعادة إنتاج الاصطفاف نفسه، بحيث كان الأجدى الاحتفال بعودة الاختلاف إلى مساحة بيروتية بقيت طويلًا أسيرة التصنيف السياسي الحاد، وبأن أهل العاصمة ما زالوا قادرين على أن يقولوا رأيًا مغايرًا وأن يحدثوا مفاجأة مهما كان حجمها أو شكلها، فالمدينة التي تتغير لا تخون نفسها، والناخب الذي يبدل خياره لا يتنكر بالضرورة لذاكرته، بل قد يكون ببساطة يعبر عن حاجة جديدة أو اعتراض متراكم أو رغبة في تجربة طريق آخر.
المشكلة أن طرفًا من المشهد لا يزال يصر على قراءة بيروت بعين الماضي، وكأن المزاج العام فيها ثابت لا يتحرك وهذا الإنكار لا يبدل شيئًا في الواقع، لأن شيئًا ما تغير بالفعل، ولو اختلفنا على حجمه أو أسبابه.
خلال السنوات الماضية طُرحت أسئلة كثيرة، وطُلبت توضيحات حول الغياب والحضور والأولويات وطريقة إدارة الشأن البيروتي والعلاقة مع الناس، وبعض هذه التساؤلات بقي بلا جواب أو وُضع في الأدراج، وهنا أبسط سُنن الإهمال تقول إن الأسئلة المعلقة لا تعود وتبقى مجرد عتاب، بل تتحول إلى مزاج، ثم إلى اعتراض، وقد تجد في أول صندوق متاح فرصة للتعبير عن نفسها.
لكن الاعتراف بهذا التحول لا يعني الذهاب إلى الجهة المقابلة واعتبار النتيجة انقلابًا كاملًا في هوية بيروت السياسية فالعاصمة أكثر تعقيدًا من ذلك، ولا تنتقل دفعة واحدة من مرجعية إلى أخرى، ولا يبدو أن أهلها يريدون استبدال وصاية بوصاية أو زعامة بزعامة ثم العودة إلى النقطة نفسها بأسماء مختلفة. لذلك تبدو المبالغة في الاحتفال بالفوز خطأ لا يقل عن خطأ إنكار الخسارة، لأن الاستحقاق إذا كان رسالة محاسبة إلى جهة، فهو أيضًا اختبار مبكر للجهة التي تقدمت.
لذا، المطلوب من الطرف المنتصر ألا يعيش طويلًا على أطلال هذا الفوز، وألا يحوله إلى رصيد مفتوح للشماتة أو إلى عنوان دائم للثأر السياسي، فمن طالب الآخرين بتقبل المحاسبة عليه أن يكون أول المستعدين لها عندما يأتي دوره، ومن انتقد احتكار التمثيل لا يستطيع أن يبني احتكارًا جديدًا ثم يسميه تغييرًا. قيمة الفوز لا تُقاس بعدد الصور والتهاني ولا بقدرة المنتصر على تذكير خصومه بما جرى، بل بما سيقدمه فعليًا بعد أن تخفت الضوضاء الانتخابية.
الاختبار الحقيقي يبدأ من العمل وبصياغة الأسئلة الجديدة التي جرى التهرب منها لعقود.
ماذا سيتغير في حضور الاتحاد الاجتماعي والإنمائي؟ ماذا سيقدم للعائلات والأحياء والشباب وكبار السن؟ كيف سيقترب من المشكلات اليومية التي تمس الناس؟ وهل سيخرج من منطق التمثيل الشكلي إلى دور يشعر به البيروتي في حياته المباشرة؟
هذه هي المساحة التي يمكن أن يتحول فيها الفوز إلى معنى، لأن أي انتصار لا يترجم نفسه في خدمة الناس يبقى مجرد رقم في صندوق، سرعان ما يفقد بريقه أمام أول استحقاق جديد.
بيروت لا تحتاج إلى ثأر سياسي إضافي فلديها أصلا ما يكفي من الانقسامات والخيبات، وما تحتاجه هو أن يصبح اختلاف أهلها طبيعيًا لا مدعاة للتخوين أو الشماتة، وأن يفهم الجميع أن المدينة لا تختصر بحزب ولا بعائلة سياسية ولا بزعيم ولا حتى باتحاد عائلات. قوة بيروت كانت دائمًا في قدرتها على جمع التناقضات داخلها، لا في محوها، وفي أن يبقى صوت أهلها قابلًا للنقاش والتبدل والمحاسبة.
ربما هذه هي متاهة البيارتة الحقيقية، أنهم كلما حاولوا الخروج من الاصطفاف وجدوا من يعيدهم إليه، وكلما قالوا كلمة مختلفة سارع طرف إلى اعتبارها انقلابًا، وسارع آخر إلى اعتبارها نصرًا نهائيًا.
بيروت لا تحتاج إلى أي من الوصفين، ما تحتاجه فقط هو أن يُترك أهلها يختارون ويغيرون ويحاسبون، وأن يتعلم من يخسر أن يراجع نفسه، ومن يربح أن يثبت أهليته للفوز.
حينها فقط يمكن أن نبدأ بالخروج من المتاهة، لأن انتصار بيروت الحقيقي لن يكون يوم يهزم فريق فريقًا آخر، بل يوم يصبح صوت البيارتة ملكًا لهم وحدهم، لا وديعة عند أحد ولا إرثًا مضمونًا لأحد.