عمر الفاروق النخّال | لم تكن بيروت يومًا مدينة ثابتة أو مغلقة على صورة واحدة، بل عاشت دائمًا على التبدل والتنوّع واستقبال أنماط مختلفة من الناس والعادات والأفكار، من دون أن تفقد قدرتها على الاحتفاظ بروحها الخاصة.
وهذه الروح لم تكن نتيجة التجانس، بل جاءت ثمرة لقدرة المدينة تاريخيا على استيعاب اختلافات كثيرة دون أن يُطلب من أحد فيها التخلي عن طريقته في العيش لينسجم مع الآخرين.
هكذا ببساطة عرفنا بيروت، مدينة تُشبه ناسها حين يمشون على مهل بين دكان قديم ومقهى مألوف، بين شرفة مفتوحة على ضجيج الشارع ورائحة قهوة تأتي من بيت لا نعرف أهله لكننا نعرف رائحتها ..ومن هنا، فإن النقاش حول ما تشهده العاصمة اليوم لا ينبغي أن ينطلق من هوية من يسكن أين، بل من مدى بقاء حق أهل المدينة في أن يعيشوا بيروت كما عرفوها، وفي أن يحتفظوا بمساحتهم الشخصية وبعلاقتهم المألوفة مع أحيائهم وشوارعهم.
التغيّر في المدن أمر طبيعي، لا بل هو جزء من حياتها ونموها لكن الإشكالية تبدأ حين يتجاوز التغير حدوده العفوية ويتحول إلى ضغط يومي يدفع السكان إلى إعادة ترتيب حياتهم وفق إيقاع لم يختاروه. فعندما تظهر لافتات سياسية ضخمة في محيط سكني، أو تفرض شعارات على واجهات وشوارع، أو يصبح حضور سياسي أو اجتماعي معين أكثر طغيانًا من قدرة الأفراد على تجاهله، تنتقل المسألة من مجرد التعبير عن الرأي إلى التأثير المباشر في تفاصيل الحياة اليومية.
بتراكم هذه العناصر، بدأ الشعور بأن المساحة الخاصة لأهل الحي لم تعد محايدة، بل صارت محاطة برسائل دائمة تفرض نفسها على العين والسمع والذاكرة، حتى يبدو أحيانًا أن الطريق الذي كنا نحفظ زواياه صار يطلب منا أن نتعرف إليه من جديد.
والمساحة الشخصية في المدن لا تختصر داخل جدران المنزل، بل تمتد إلى الطريق الذي يسلكه الإنسان كل صباح، والمقهى الذي اعتاد الجلوس فيه، والشرفة التي يطل منها على الشارع، والمتجر الذي يعرف صاحبه منذ سنوات، والإيقاع العام الذي تشكل بهدوء عبر أجيال.
وفي بيروت تحديدًا، كانت هذه التفاصيل الصغيرة دائمًا جزءًا من الهوية ..سلام سريع مع صاحب الفرن، كرسي دائم في مقهى، بائع جرائد يعرف ماذا تقرأ، وصوت حي لا يحتاج إلى تعريف، تفاصيل تصنع علاقة الإنسان بالمكان أكثر مما تفعل الشعارات الكبرى، وحين تتبدل بفعل حضور طاغٍ لا يشبه مزاج السكان ولا يعبر عنهم، يصبح الأمر أقرب إلى إعادة صياغة العلاقة بين الفرد وحيه، لا مجرد تغيير في المشهد الخارجي.
اللافتة مثلاً، لا تبقى مجرد قماشة أو صورة، والشعار لا يظل مجرد عبارة عابرة وكثرة التكرار واتساع الانتشار يحولان الرمز إلى جزء من تعريف المكان نفسه.
ومع الوقت، قد يجد ابن المنطقة نفسه أمام خطاب بصري وسياسي يحيط به من كل جهة، فينشأ شعور بأن الحي يُعاد تقديمه بهوية واحدة أكثر ضيقًا مما كان عليه. والمشكلة هنا ليست في حق أحد بالتعبير، بل في تحول هذا الحق إلى هيمنة رمزية تجعل الآخرين يعيشون داخل صورة لا تعكسهم، وكأن الواجهة التي اعتادوا النظر إليها كل صباح أصبحت تقول عنهم شيئًا لم يقولوه هم.
وينطبق الأمر ذاته على أنماط الحياة والطقوس والممارسات الاجتماعية، فلكل فرد أو جماعة الحق في ممارسة خصوصيتها والاحتفال بما تريد والمحافظة على تقاليدها، ما دامت هذه الممارسات لا تتحول إلى عبء على المحيط.
والفارق كبير هنا بين أن يعيش الإنسان وفق نمطه الخاص وبين أن يتحول هذا النمط إلى إيقاع مفروض على الآخرين، كما أن الفارق واضح بين ممارسة طقس اجتماعي أو ديني باختيار أصحابه وبين جعله عنصرًا دائمًا يعيد تشكيل يوم الآخرين من دون أن يكون لهم رأي في ذلك.
بيروت كانت تعرف كيف تترك لكل شخص مساحته، وكيف تسمح للآخر أن يكون مختلفًا من دون أن تطلب منه تفسير اختلافه، وهذه بالذات واحدة من أجمل طبائعها.
بيروت التي عاشت طويلًا على فكرة الانفتاح بدأت، في بعض أحيائها، تبدو وكأنها تطلب من سكانها القدامى أن يثبتوا بصورة متواصلة قدرتهم على التكيف. لا يتعلق الأمر بوجود أشخاص جدد أو بتحولات سكانية بحد ذاتها، فذلك طبيعي في أي مدينة، وإنما بتراكم منظومة من الرموز والشعارات والإيقاعات التي تدخل تدريجيًا في صلب الحياة اليومية ومع مرور الوقت، يمكن للإنسان أن يبقى في المنزل نفسه والشارع نفسه، لكنه يفقد شيئًا من الإحساس بأن المكان ما زال يعرفه كما كان يعرفه هو، فيصبح الحي مألوفًا في العنوان وغريبًا في التفاصيل.
هذا النوع من الغربة داخل الحي قد يكون أعمق من التغير المادي ذاته، لأن المدينة لا تُفقد فقط حين تتغير مبانيها أو تتبدل وظائف شوارعها، بل أيضًا حين يضعف شعور أهلها بالألفة والقدرة على التعبير بحرية عن ذواتهم.
وحين يصبح الإنسان مضطرًا إلى قياس كلماته أو خياراته أو طريقة احتفاله وفق هوية غالبة في محيطه، تكون المدينة قد بدأت تخسر شيئًا من روحها، لا لأنها تغيرت، بل لأنها أصبحت أقل اتساعًا للفردية وأقل احترامًا للمساحة الشخصية وبيروت التي كانت تعرف كيف تجمع التناقضات في شارع واحد، لا يليق بها أن تضيق فجأة بصوت أو عادة أو أسلوب حياة مختلف.
ولا يعني هذا رفض ثقافة معينة أو الانتصار لثقافة أخرى، لأن الإشكالية لا ترتبط بمضمون محدد بقدر ارتباطها بطريقة فرضه بمعنى أن أي أسلوب حياة حين يتحول إلى معيار مطلوب من الجميع الانسجام معه يصبح مصدر تضييق، وأي شعار حين يتحول إلى جزء إلزامي من المشهد اليومي يفقد صفته التعبيرية ويتحول إلى علامة سيطرة، وأي تقليد حين ينتقل من كونه خيارًا لأصحابه إلى واقع مفروض على الآخرين يتجاوز حدوده الطبيعية.
المعيار العادل يبقى في أن يمتلك الجميع المساحة نفسها، لا أن يكون للأقوى حق إعادة تعريف المكان وحده، ولا أن يضطر ابن الحي إلى أن يصبح ضيفًا مؤدبًا في مكان ربّاه على صوته ولهجته وذكرياته.
الدفاع عن بيروت، لذلك، لا يكون بتجميدها في صورة قديمة أو بمنعها من التغير، كما لا يكون بتحويل الحنين إلى أداة إقصاء، بل بالحفاظ على حق أهلها في الاختيار وفي الاحتفاظ بعلاقتهم الشخصية مع أحيائهم. فمن حق الإنسان أن يعيش بأسلوبه الخاص، وأن يحتفظ بعاداته، وأن يرفض شعارًا لا يمثله من دون أن يُتهم بالعداء، وأن يبقى الحي بالنسبة إليه امتدادًا لذاكرته لا مساحة يعاد تشكيلها باستمرار فوق رأسه.
فالمدينة التي نحبها ليست صورة معلقة في الماضي، بل شعور يومي بالأمان والألفة والحرية في أن نكون كما نحن.
لا تكمن المسألة في هوية من يسكن بيروت بقدر ما تكمن في الطريقة التي تُعاش بها المدينة.
بيروت التي حافظت على حضورها لأنها سمحت للناس بأن يكونوا أنفسهم، تحتاج اليوم إلى استعادة قاعدة بسيطة لكن صارخة تقول إنه لا يحق لأي قوة اجتماعية أو سياسية أن تعيد صياغة حياة الآخرين على صورتها، ولا ينبغي للإنسان أن يغيّر إيقاع يومه أو علاقته بحيه لأن صوتًا آخر أصبح أعلى.
يكفي أن تبقى بيروت مدينة تترك لأهلها الحق في أن يعيشوها كما يعرفونها، وأن يشعروا، حين يفتحون شبابيكهم صباحًا أو يعودون إلى أحيائهم مساءً، بأن هذه المدينة ما زالت تعرف أسماءهم، وأن انتماءهم إليها لا يحتاج إلى إذن من أحد.