سحر الرئاسات في فرنسا يكمن بالسلاح ذي الحدين الذي توفره سدة الرئاسة الأولى للقادمين إليها، فإمّا ترسّخهم رموزا في سجل الأيام والتاريخ نظير اجتهادهم في صون هوية بلدهم وتقديم سياسة خارجية لائقة بتاريخه وحجمه وقوة حضوره في المشهد السياسي والدولي وإمّا تهوي بهم سبعين خريفا لقاء مراهقتهم واقتقادهم لأضعف إيمان المنطق في أدق الظروف.
والأكيد أن الرئيس الفرنسي الحالي إيمانويل ماكرون ينتمي إلى الفئة الثانية الذي لا تعلّمه الأحداث السياسية المتلاحقة شيئا سوى الإصرار على مراكمة الأخطاء السياسية الفادحة تلو الأخطاء دون ترك أي فرصة للتراجع أو لإعادة إعمال العقل في مقاربة قضايا وملفات الحجيم الاقليمي المفتوح على كل الاحتمالات.
جاءت الحرب الاسرائيلية على حركة حماس في قطاع غزة لتُعطي ماكرون فرصة ذهبية لاعادة بلاده لاعبا أساسيا على مستوى صياغة المبادرات العالمية الإنقاذية إلا أنه التقطها كالعادة بعين المراهق السياسي وليس بعين الرئيس الواعي إلى تدهور حضور بلاده في سائر ملفات المنطقة نتيجة فشل السياسة الخارجية الفرنسية المصرّة بعد فقدانها لمونتها في القارة السمراء على التلاعب العبثي بعناوين أساسية ينذر مجرد المسّ بها بحرب إقليمية أشد تدميرًا من سابقاتها.
لم ننتظر من ماكرون إلا دعم اسرائيل في حربها المتواصلة على حماس، لكنّ فكرته توسيع نشاط التحالف الدولي لاستهداف انتشار حماس على نحو استهداف وملاحقة تنظيم داعش أشّر إلى غياب أدنى درجات العقل السياسي لدى الرجل أو ربّما جهله بمفردات المرحلة.
نسي ماكرون أو تناسى بأن حماس وعلى الرغم من الزخم الغربي لشيطنتها وتقديمها نسخة طبق الأصل عن تنظيم داعش ما تزال تمثّل في وعي الإسلام السياسي حالة مقاومة لها خصوصيتها العقائدية رغم حلفها مع إيران فانبرى يروّج ويسوّق للفكرة التصعيدية قبل انتهاء معاركه الشخصية أولا ومعارك بلاده ثانيا مع هذا الإسلام السياسي التي لم تنتج الا المزيد من الهواجس المذهبية والترسيخ المُفتعل لخطاب الكراهية دونما نظر الى قوة حضور الجاليات الإسلامية والعربية التي قد لا تنسجم مع فكرته تلك فتتحول تحركاتها في فرنسا إلى عنصر مؤزّم لتخبطه السياسي الداخلي.
وممّا تناساه ماكرون وهو يتابع مسار المعركة الاسرائيلية على حماس، المشهدية التي جاءت عليها عمليات السابع من أوكتوبر الجاري والتقارير الغربية التي تناولتها كعميلة مخطط لها من قبل حماس وحدها بعيدا عن أية لمسات إيرانية، فبدا ماكرون عبر هذه الحماقة مصرًا على إنبات “إسلام جهادي” في فلسطين أكثر منه إسلاما سياسيا مؤمنا بفكرة المقاومة وهذا بالتحديد ما لن يريح حليفته إسرائيل.
هذا طبعا الى جانب كسل أو تكاسل ماكرون في قراءة الكم الهائل من التحليلات السياسية والعسكرية والاستراتيجية التي تجمع على عدم قدرة اسرائيل بعد على تحقيق الدخول البري الى غزة وبدء تذبذب الموقف الاميركي حياله لعدم تحمل مسؤولية حرب إقليمية واسعة لا يريدها الرئيس الاميركي جو بايدن راهنا ولا يريدها الأوروبيون المصرون على أولوية وقف اطلاق النار ومعالجة الكارثة الانسانية قبل فتح المعارك القانونية والعناوين الانسانية.
ماكرون إذًا، لا يرى ولا يحلل ولا يقرأ لا بل أيضا يخوض معاركه السياسية الداخلية بأسلحة غيره وليس بالاسلحة المنسجمة مع طبيعة طروحاته السياسية وهذا ما ينسجم مع جملة من التحليلات الفرنسية التي ذهبت خلال الأيام الماضية إلى أن أكثر ما أثار اعجاب ماكرون خلال المعركة الاسرائيلية على حركة حماس هو الخطاب الديني الذي طبع كلمة وزير الخارجية الاميركي أنتوني بلينكن في تل أبيب خلال زيارته التضامنية لنتنياهو وقوله “إنه في تل أبيب بصفته يهوديا أولا قبل أن يكون وزيرا للخارجية الأميركية” فحاول ماكرون تقديم مشهد مماثل لكن مسيحيته منعنه من نسخ خطاب بلينكن كاملا أو أنه تذكر في اللحظات الأخيره أنه ايمانويل ماكرون وليس مارين لوبن!
هو ملسسل حماقات طويل يدمر فرنسا ويذبح سياستها الخارجية كل يوم ويشوّه حضورها الدولي والاقليمي يصر ايمانويل ماكرون على انتاج حلقات لا بل مواسم مدمرة له كل فترة !