1. Home
  2. ولكن
  3. السيادة .. في نعش ؟!
السيادة .. في نعش ؟!

السيادة .. في نعش ؟!

317
0

شعر كثير من اللبنانيين مع الرحيل المُر لسيدة الحوار اللبناني والعربي الإعلامية والمناضلة الكبيرة جيزال خوري بالعجز عن التعبير حول فداحة هذا الفقد وسط العبث المستوطن في سياستنا وإعلامنا وبالتالي كل مجتمعنا. جلّ اللبنانيين ومنهم أنا كانوا بحاجة إلى تلاقي بعض التواريخ والأحداث حتى تكون العِبرة أمتن والعبارة أقوى والتعبير أوضح!

فأن ترحل جيزال خوري تزامنا مع الموت المجاني المتساقط على رؤوس وبيوت أهل غزة وتزامنا مع الذكرى الرابعة لاندلاع انتفاضة السابع عشر من تشرين هنا تُصبح المشهدية أكثر قلقًا على الإنسان في عالمنا وعلى الإنسانية التي جهدت خوري ليكون هذان العنوانان ثابتين راسخين في حياة الشعوب وليس صورتين بيانيتين تتزيّن بهما بيانات الحروب وتصريحات الأمم.

يا لها من لحظة حُبلى بالأهوال عندما يغيب صوت الجرأة أمام دوي الظلم المتنقّل من ساحة إلى أخرى ومن شعب إلى آخر مراكما الدم والجثث والحجر والبشر رادمًا بها بحور الفكر الفسيحة وواحات النقاش البنّاء الهادف !

تقول جيزال خوري عبر هذا السفر الطويل على أجنحة النضال من أجل حرية وكرامة الإنسان اللبناني والعربي إن النعوش مهما حدّت من ممارسة الحرية كأسلوب حياة يومي فإنها لن تستطيع إطلاقا منع فيضها من عبور الحواس والأرواح على طريق رسم عالم أكثر تسامحا مع الرأي الآخر، الذي مهما احتدت سهامه لا يقتل، على عكس التنكيل والتهديد والقصف والاغتيال بالعبوات الناسفة أو الأسلحة مكتومة الصوت وغيرها من آلات الإرهاب الفكري والقهر الإنساني!

كان قِتال جيزال خوري مرِنا حتى في شراسته، وهذا التوصيف لم يعنِ التنازل عن المبادىء يوما بقدر ما عبّر عن قدرة عالية للتواجد على كل الجبهات، فساعة يضيق إعلام بكلمة حرة سهلة ممتنعة واضحة كان الحوار يقدّمها أطروحة إنسانية وثقافية ومجتمعية مكتملة الأركان، وساعة يكمّ الرعب صوت السياسيين لعدم التعبير عن وجع ناسهم كانت أصوات المثقفين والشعراء والناجحين تداويها، وساعة يتحكم اليأس من عدم قدرة الجيل على مجاراة مشوار الحرية كان تحفيز الشباب وتسليحهم بمهارات التحرر يُنقذ العُقود من أهوال موت الحرية!

لم تمت الحرية ولن تموت، لكن جيزال خوري رحلت إلى فضاءات أرحب من تلك التي شهدت على كل معاركها وآخرها معركة المرض. رحلت في نعش يحتوي سيادتنا المجروحة، والنعش لا يقهر الحلم ولا يهزمه !

ثمة درسٌ مُستفاد سابق تعلمناه قرب نعش سمير قصير في حزيران ٢٠٠٥ ورغم الموت بقينا نتنشّق فكرَ ما أعلنَ وفوحَ ما كتبَ، وذات الجولة كررناها أمام نعش فتى النهار الشهم جبران تويني في كانون الأول ٢٠٠٥ والدروس المُستفادة متواصلة أمام نعش جيزال في تشرين الأول ٢٠٢٣.

الدعوة كانت أنيقة ومفتوحة أمام نعش جيزال لإيقاظ السيادة والتحليق بها نحو آخر الآفاق!


tags: