كتب رئيس التحرير – لم تعد إطلالات رئيس الجمهورية ميشال عون تختلف عن أداء الكومبارس المبتدئ للمشاهد الجديّة. الغيبوبة الكاملة للرجل عن عمق وحقيقة النكبة اللبنانية كادت للحظة أن تنهي خطاب الاستقلال وتقاطعه بضحكة صفراء فاقعة تعبيرا عن مدى سخف النكات السمجة الواردة فيه، وهو الخطاب المُعدّ على ما يبدو على سطح كوكب بعيد أو لربّما في مجرة أخرى.
هذه ليست المرة الأولى التي يطل فيها عون على شعبه بمضمون بعيد عن الواقع، من هنا بات التكرار محلّ تساؤلات كثيرة عمّا اذا كان ساكن قصر بعبدا يبعث برسالة معنوية إلى اللبنانيين بضرورة تحييد موقعه وعدم إقحامه في مشهدية التعطيل التي تمارسها جوقة العهد. لكأنه يقول: “تواصلوا مع باسيل وحلوا المشاكل السياسية معه، أما أنا فاتركوني رمزا لحرية وسيادة واستقلال البلاد وصورة عن فارس مخلّص حقق حلمه ووصل الى الرئاسة الأولى وإن كانت سنوات عهده كلها ندامة وبكاء على الأطلال”!
لولا جزئية “طيران” التدقيق الجنائي لأمكن الحسم بأن عون يستجدي فعلا من اللبنانيين حذفه من قائمة لاءات الرفض والسخط، إلاّ أن “التميّز التحريري” الذي رافق الجزئية أعادنا للمربع الأول فعدنا نشاهد عشية عيد استقلالنا جنرال الرابية المدافع عن طموحات وتطلعات صهره وحاشيته وأقربائه ووزارئه ونوابه وليس رئيس الجمهورية الناطق باسم كل الشعب والمعبّر عن آلامهم.
ليس في هذه الملاحظة أي دفاع عن مصرف لبنان وحاكمه رياض سلامة الذين كادا يقعا تحت مجهر هذه اللجنة لكن المقصود منها الاضاءة على ازدواجية المعايير عند جنرال بعبدا الذي صدّر في “حروبه الضارية على الفساد” الملفات التي تخدم أهدافه وتطلعاته وتشفّيه وأحقاده الشخصية راكنا كل صنوف الفساد الأخرى جانبًا وساحبًا من التداول تعهداته بمحاسبة أقرب الناس اليه اذا ما ثبت تورطه بشبهات وملفات فساد.
وها هي مرة جديدة جاءت لحظة الحقيقة التي أثبتت بما لا يقبل الشك أن عون بارع لا بل مخضرم في تعميم صمت القبور على كل ملف يجافي مسار عهده لكن الأخطر من ذلك كله محاولته اصطناع ثورة على ذوقه وقياسه بدعوة اللبنانيين الى اعتبار مسألة “تطيير” التدقيق الجنائي قضيتهم واشراكهم في المطالبة بها وهو نفسه الذي دعاهم ذات يوم الى الهجرة لمجرد ثورتهم على طبقة سياسية فاسدة!
لم يعد ميشال عون يرى أمامه بكل أسف أكثر من السنتين المتبقيتين من عهده وأي خطاب سيطالعنا به من الان فصاعدا لن يكون أكثر من وقفات “الترانزيت” قبل الاتجاه الى جهنم التي وعدنا بها والتي اقترب تحقيقها في بلد أضاف له عهد عون كل مقومات الحجيم الفعلي والحقيقي.
بالأمس، طالب المتروبوليت الياس عودة الرئيس عون بخطوة جريئة تبقيه حيًا في سجل الأيام، والأرجح أنه طلب غاية في الصعوبة. الرجل يريد حجز كامل صفحات التاريخ اللبناني بأطلال ردمها الخراب اللبناني الكبير.
دخول التاريخ بات صعبا بالنسبة للرئيس ميشال عون، والأفضل تلقف هذه الحقيقة الصعبة والمرة بالصمت أقله سنتين اضافيتين!