حنّا صالح – ويبقى اغتصاب أثير التلفزة واقتحام البيوت رغما عن رغبة أهلها أمر يندرج في سياق فحيح المتسلطين، الذين يدعون العفة وأنهم نذروا الجهد والنفس من أجل الآخرين وعشقهم للبنان! وفاتهم أن نشيد “الهيلا هيلا هو..” وإن تركز على أحد أبرز الرموز فجاجة، فالإستهداف يطال الجميع “كلن يعني كلن” من فاسدين ساقطين تحت غربال الأخلاق والوطنية.
أن تختار واشنطن جبران باسيل وتفرض عليه العقوبات القاسية وفق قانون ماغنتيسكي من بين كل فاسدي منظومة التسلط، ففي الأمر رسالة سياسية إلى العهد انطلقت من وضاعة النموذج وتماديه في استغلال موقعه في السلطة لممارسات يعرفها الناس، ما شكل طعنة هي الأقرب إلى إعلان موتٍ السياسي، ولم يكن خافياً أن تقديم العقوبات على باسيل رغم ما يتردد عن وجود قائمة كبيرة ممن ستطالهم العقوبات وفق توقيت أميركي، فالسبب الأبرز هو تغطية المستهدف لسياسات حزب الله وتماهيه مع المشروع السياسي للحزب الذي يضغط بقوة من أجل إلحاق لبنان بمحور ملالي طهران!
قال الكثير، وتمادت الشاشات في الترويج، ومما قاله أنهم طلبوا أن يقطع علاقته بحزب الله ولم يتحدثوا عن الفساد، لكن القرار استند إلى اتهامه بالفساد، فمن سيقنع بعدم فساده؟ ومن اللحظة الأولى ركزت الثورة الاتهام عليه كما على الاخرين الذين ابتعدوا عن الفضاء العام نتيجة فسادهم المفضوح! وهنا كان واضحاً أن باسيل يسأل لما لم تشمل العقوبات فاسدين آخرين أثروا على حساب المال العام وتواطأوا على مصالح لبنان وحقوق اللبنانيين.. ولكنه يعرف أنها واشنطن تحاسب وتعاقب من تريد وهي تعلم أن أي عقوبات على فاسد سترسم الابتسامة على الوجوه المتعبة والمنهكة! وقال أنه رفض الطلب، لأن قطع العلاقة مع حزب الله سيؤدي إلى حرب بين السنة والشيعة(ممنوع الضحك) ومضيفاً أنه مع هذه الحرب سيدفع المسيحيون الثمن.. وذهب بعيداً في الزعم أن استهدافه جزء من مسلسل يستهدف الوجود المسيحي(..) والثابت أن اللغة الطائفية استهدفت تحريك غرائز واستدراج تعاطف، وهو المدرك جيداً أنه يستحيل هضم ما آل إليه شعبياً، وتسويغ ذلك أمام بيئة مسيحية تعرف أن حقوقهم ليست شماعة له، وهي بيئة لها مصالح عميقة مع عالم الاغتراب المدرك أن سبب العقوبات فساد المعاقب ودعمه لاستباحة السيادة وارتهان البلد!
وقال لحزب الله أن العقوبات سببها الوفاء له وكشف أنه استشار نصرالله الذي منحه الدعم(..)وقال للأميركيين أنه يختلف مع حزب الله حول أمور أساسية وعقائدية مثل السلام بالمنطقة ووجود إسرائيل..نعم خاطب إسرائيل بتكراره الاستعداد للسلام معها ولم يتنبه أن بري بعد العقوبات على علي حسن خليل عندما لم تفته أبعاد الرسالة سارع لإعلان “اتفاق الاطار”، سارع لإعلان الاعتراف بالحدود بتأييد من حزب الله ومن هم وراء الحزب، وأن الخلاف المتبقي هو على مئات الأمتار ليس القضية، أما الخط الجديد للحقوق الذي حمله الوفد المفاوض والذي يطرح الأسئلة بصدد حجم التفريط بالحدود والحقوق، فلن يُمكن ساكن القصر من أي مقايضة: إنها استفاقة بعد الدوام!
لكن في ظل الضربة القاصمة، ورغم الانهيارات المتلاحقة وأخطار الموت من المجاعة أو الجائحة، وبعد الانفجار النووي الذي ضرب العاصمة نتيجة التواطؤ أولاً والإهمال ثانية، والمضي بنهج التغطية عن مرتكبي جريمة الحرب تلك، قدم معاليه صورة صافية عن رعونة أهل الحكم وفسادهم وانتهاء صلاحيتهم، وخطورة تعليق البلد على سطوة السلاح ورهانات الدويلة، وذلك عندما أعلن أنه في الشأن الحكومي الأمر له! قال أن العقوبات لن تضعف دوره ولن تضع حداً لشروطه في مسألة تشكيل الحكومة..قال ستكون الحكومة وفق معاييره مذكراً بتلك العبارة في العام 2009 “لعيون الصهر عمرها ما تكون حكومة!
طروحات بائسة توزعت يساراً ويميناً، في وقت تعمق الانهيارات وعدم الالتفات إلى حقوق الناس، وعودة المنظومة غلى ما كان سبب تعجيل الانهيارات فسقطت المداورة وسقط فيلم حكومة الاختصاصيين وتعطلت المبادرة الفرنسية وعاد زمن محاولات تجديد المحاصصة، مع تبدل في بعض المعطيات بين أطراف المنظومة، وازدادت الرهانات، ومنها أن يظن الحريري أنه الوحيد الذي لا يستغنى عنه! ويبرز منحى أخذ التأليف وجهة الالتصاق بالثنائي حركة أمل وحزب الله، ويزعم أنه يملك مفاتيح الحصول على دعم خارجي، أول ما يمكن أن يكون هو من بلدان الخليج، ويتجاهل قراءة معنى مغادرة سفير الامارات ثم السفير السعودي دون أن يتصل أي منهما به، ويقفز فوق السقف الذي رسمته السعودية في خطاب الملك سلمان أمام الأمم المتحدة!
وبعد، الأنظار على أميركا ما بعد الانتخابات وخلف الضجيج والذهاب المتوقع إلى القضاء والصراع على الاقتراع من خلال البريد، ستتقدم الصفقة في الوقت المناسب، لأن القدرة على الحكم دون الأخذ بعين الاعتبار التيار الترمبي الكبير مسألة قد تعقد الأمور..اما الترحيب من بعض محور الممانعة بانتخاب بايدن فهو سذاجة سياسية مطلقة، لا يرى من هم خلفها الفوارق الكبيرة بين ما كانت عليه المنطقة قبل عقد من الزمن وما باتت عليه اليوم من انتكاسة للهلال الفارسي وتصدع للهلال العثماني وتشظٍ أصاب حركة الأخوان المسلمين ومتغييرات في سوريا..و”الخبرية اليوم بمصاري وغداً ببلاش”!