حنا صالح – لفتني صديق إلى “إيجابيات” وردت في خطة حكومة الأقنعة ل” الانقاذ”، متوقفاً عند الاشارة إلى انه “سيصار” مستقبلاً إلى انتخاب القضاة لأعضاء في المجلس الأعلى للقضاء، ومشدداً على محورية الدور المرتجى للقضاء، واستفظع تشبيه هذه الحكومة و”المأمول” منها بالحكومة الأولى التي شكلها نوري المالكي في العراق!
للتذكير ورد في اليومية، ليوم أمس، أن “الخطة” قامت على جمع “تصورات أُرفقت برشة وعود وتمنيات”، ولكن كانت أولويتها تلبية الشروط التقليدية التي يضعها صندوق النقد الدولي، كي تقبل أوراق الاعتماد. وهنا لا بد من بعض التدقيق.
قبل 200 يوم، أخرج فساد الطبقة السياسية وفجورها وحجم النهب اللبنانيين إلى الساحات، وقد رفعوا عناوين من نوع المحاسبة والمساءلة والشفافية وحماية الفئات الأكثر فقراً واستعادة الأموال المنهوبة والمسروقة، ولاقاهم نادي القضاة بالدعوة إلى تطبيق فوري للقانون 144 للعام 2015 الذي يتيح تجميد كل الحسابات المشكوك بها من أجل التحقيق ويلزم المصرف المركزي مخابرات المصارف العالمية تجميد كل الحسابات التي تعود للجهات اللبنانية إياها.. وطالب النادي يومها ب”منع مغادرة أي مسؤول وإزالة درعي الحصانة الوظيفية والسرية المصرفية ونشر حسابات كل من تولى الشأن العام علناً تمهيداً لمحاسبة ومحاكمة عادلة واسترداد المنهوب من أموال الناس”. النتيجة أن حاكمية مصرف لبنان لم تتجاوب ومثلها السلطة، وجرى إغراق البلاد بالحديث عن إعداد تشريعات جديدة، فيما كان القضاة يؤكدون على وجود القوانين التي ينبغي تطبيقها، وجاءت حكومة الظلال لترتكب سابقة، اشتركت بها وزيرة العدل ورئيس الحكومة وتمثلت في تجزئة التشكيلات القضائية لمسخها وضبها في الأدراج وتالياً شل العدلية. يعني هل يعول على من له مثل هذه الممارسة أن يكون ملتزماً برشة وعود وردت في “الخطة”!
الشيء بالشيء يذكر، أورد الاستاذ مروان اسكندر قبل أيام معلومة مفادها أن رئاسة الجامعة الأميركية طلبت إلى البروفيسور دياب دراسة فتح كلية للجامعة في البقاع انطلاقاً من مركزها هناك، فكان ما تحقق بعد وقت وخلال تولي دياب حقيبة التربية في حكومة نجيب ميقاتي أم منح عبد الرحيم مراد ترخيصاً جامعياً خدمة لرغبات من خارج الحدود ولا تمت بصلة إلى ما يعرف عادة عن رؤيا لدى الأكاديميين تنطلق من أولوية حماية مستوى التعليم (..)
في عودة سريعة إلى مشهدية احتفالية التوقيع على تقديم الطلب إلى صندوق النقد الدولي، أراد البروفيسور ووزير ماليته إبهار المواطن الجائع أننا كسلطة حققنا الكثير، وهذا ما حدث فالخطة أعطت الجهة الدولية أكثر من المطلوب عندما تجاهلت وجود ناس ومن المفترض حماية لقمة خبزهم! فكان الغياب الكامل للجانب الاجتماعي والذهاب إلى محاكاة أولوية الصندوق ألا وهي مصالح الدائنين وليس الجائعين. نعم بخطى ثابتة وعيون زجاجية، تم تغييب كل الآثار الاجتماعية للانهيار الاقتصادي المعيشي للمواطنين، وجرى القفز فوق التضخم وتآكل الرواتب وتبخر القدرة الشرائية للناس. ففي ظل هذه الحكومة التي أُسميت زوراً “مواجهة التحديات” بات الراتب الشهري للموظف بالكاد يشتري 2 كلغ كرتونة – حصة غذائية من البطاطا والبصل وقنينة زيت دوار الشمس! فيما مخصصات الحكام والسياسيين والتعويضات والمرافقة والخدم لا تمس!
أولويات هذه الحكومة، وهي بين الأخطر التي عرفها لبنان، تلبية رغبات انقلابية واستئثار عند أحزاب طائفية نصبتها، هي جزء مقرر من ضمن طبقة سياسية متهمة بكل سياسات المحاصصة التي نهبت البلد وأفقرته وجوعت اهله. وهذه القوى، تحديداً الثنائي الحاكم، حزب الله والتيار العوني بمرجعية الأول، تحرك الأمور من وراء الستار وتضع في رأس اهتماماتها استكمال انقلابها، ولا تريد من وراء شعار من نوع إعادة هيكلة القطاع المصرفي والمصرف المركزي، وضع حدٍ لإذلال الناس المصادرة أموالهم، بل تهيئة الظروف التي تعتقد أنها ضمانة تسلطها لعقود آتية!
هنا نفتح مزدوجين كي نشير إلى أمر كبير، وهو استهداف فروع المصارف. فلقد كان لافتاً جداً أن يكشف “الحاكم بأمر الطبقة السياسية” سلامة أنه في السنوات الخمس الأخيرة، بينها 3 سنوات ونصف من عمر العهد “القوي”، تحمل الحساب الجاري الذي وصل عجزه إلى 56 مليار دولار، 20 ملياراً للخارج، لم يذكر بالاسم هذه الجهة الخارجية، لكن الكل يعرف أن مشتريات وسلع مختلفة أبرزها النفط والقمح تهرب يومياً إلى سوريا لدعم النظام الأسدي، والتهريب يشتد هذه الأيام قبل الانتقال في تسعير الدولار من 1500 ليرة إلى 3500 ليرة، وإذا بجهات متربصة بالثورة ومتأهبة كل يوم لحرف مسارها تستغل وجع طرابلس من أبناء “التبانة” و”المنكوبين” و”خناق حمارو” ووو كل الضواحي، لتتابع حملة التطويع فتشعل فروع المصارف وتدمر كل آلات سحب الأموال، وتنتقم من الفيحاء عروس الثورة فتحاصر أهلها بعزلهم عن الخدمة المصرفية التي كانت في الأقل تتيح للموظفين تقاضي رواتبهم من آلات السحب!
وفيما تجاهلت الخطة أولوية تحصيل عائدات الدولة من الأملاك البحرية والمشاعات والجمارك وإقفال معابر التهريب، أي أنها لن تمس مصادر الاقتصاد الموازي الذي يديره حزب الله، تقدمت مهمة إحصاء أملاك الدولة وإبداء الاستعداد لبيع قسم منها، بعدما توضح أن رفض “الهيركات” يعني هرولة إلى بيع ما لا يقل عن 10% من لبنان(..) لحماية أموال الكارتل السياسي – المصرفي وكبار المودعين، فيما لا تغيير حيال أكثرية المودعين من أصحاب الحسابات الصغيرة وشبه المتوسطة! والملاحظ تبرع بعض الشاشات للترويج أنه لو بيعت هذه الأملاك ب100 دولار المتر فإنها تطفيء الدين! على طريقة خذوا أسرارهم من صغارهم، يبدو أن هناك من يخطط لبيع أهم أملاك الشعب اللبناني وهي الأملاك البحرية ببضعة ليرات!
لا ثقة بهذه الحكومة فهي حكومة الظلال والضلال، كل ما تقدم عينات عن الخطر الذي ستلحقه باللبنانيين، ولن يستقيم الوضع إلا بفرض استقالتها وهذه المهمة ليست بالأمر البسيط وتتطلب الوقت والجهد وأساساً بناء المعارضة الحقيقية القادرة على اعادة ميزان التوازن بين المواطنين ورموز الفساد.
قبل أيام كتب د ناصر ياسين: لن يستطيع اللبنانيون من صياغة عقد اجتماعي جديد ولا من بناء اقتصاد أكثر عدالة بوجود أيٍ من الطبقة الحاكمة التي حكمت بشكلٍ أو بآخر، بمنطقة أو على مستوى الدولة، منذ الحرب الأهلية، يالتكافل معظم الأحيان، رؤساء وزعماء وجنرالات وقادة ميليشيات.. والسؤال الصعب كيفية الولوج إلى هذا المسار؟” كمساهمة تستند إلى كمٍ من النقاشات والمتابعة، لا بديل عن بلورة البرنامج المرحلي للتغيير، وأولوية المهام لخوض المعركة الانتخابية فهنا مربط الفرس، والأساس البدء دون إبطاء في إيجاد الأداة التي توحد حركة المواطنين. الفباء “لقاء تشرين” وهو المؤهل لذلك، الشروع في بناء الحالات الشعبية المنظمة، التي تساهم في رفد أي عمل جبهوي جاد بعناصر قوة، لأنه يحمل قيمة نوعية كونه مثّل حالة اختراقٍ للمناطق والشرائح، وهذا المنحى يعول عليه كي يصبح التغيير هدفاً جدياً مطروح على جدول الأعمال!
وكلن يعني كلن