حنا صالح – كل الاحتفالية التاريخية، بما في ذلك الاحتفالية الملحقة التي شهدتها السراي أمس أثناء توقيع طلب التوجه إلى صندوق النقد الدولي، لا تطرح اي مشروع حقيقي لانقاذ البلد أو وضعفه على طريق التعافي. تم جمع تصورات أرفقت برشة وعود وتمنيات، شكلت منطلق الذهاب إلى صندوق النقد الدولي، لأن السادة ألان بيفاني مدير المالية العوني، وشربل قرداحي مستشار القصر ومعهم جورج شلهوب مستشار دياب كان هاجسهم التركيز على توفير الأجوبة على الشروط التقليدية التي يضعها الصندوق، أملاً بالحصول على استدانة سريعة، يتوسلها البروفيسور كي يطمئن إلى إقامته في السراي، ويتوسلها القصر من جهة كي يرتاح إلى فكرة أن بين يديه القرار.
وتالياً لإقناع مريديه بقدراته ومن الجهة الأخرى للمضي عملياً في مراكمة وقائع عبر ممارسات من خارج ما يحدده الدستور كدعوة رؤساء الكتل النيابية الأربعاء إلى بعبدا، هذا مع العلم أن الاستشارة، والأمر ليس طلب اسنشارة، تكون قبل القرار لا بعده!
- محور ما هو في الجيب، يفترض التخلي عن نظام تثبيت سعر الصرف ليصبح 3500 ليرة للدولار بدلاً عن 1500، على أن يرتفع إلى 4297 ليرة في العام 2024! هذه “الدقة” تنسفها الوقائع فسعر الصرف بات أعلى وما من كوابح لوقف انهيار سعر الصرف!
- “التقشف” أي خفض الانفاق عبر خفضٍ للأجور التي ستطال أيضاً مخصصات المتقاعدين وستقلص التقديمات وستتسع مروحة الضرائب، ومعها وقف الدعم للمحروقات والرغيف والدواء! ورفع رسوم الكهرباء ووو
- ارتباطاً بما تقدم يتم خفض الاستيراد وتالياً خفض الاستهلاك ما سيؤدي إلى خفضٍ في عجز الحساب الجاري، فيتحسن ميزان المدفوعات، لكن لا أحد يعلم إذا كانت ستمس نسبة 4 مليار دولار التي يتحملها لبنان كلفة التهريب خدمة لمتطلبات النظام السوري، وهذه النسبة التي أكدها حاكم مصرف لبنان، وهي إدانة إضافية لكل الحكومات المتعاقبة، رتبت على لبنان في آخر خمس سنوات 20 ملياراً في عجز الحساب الجاري من أصل إجمالي العجز البالغ 56 ملياراً!
بالمقابل ما من مؤشرات جدية على الذهاب إلى وقف الهدر الحقيقي ففي الكهرباء يستمر منحى السياسات السابقة ومثلها في الجمارك وتستمر الاستباحة عبر المعابر غير الشرعية أي لا مساس بمصادر موارد الاقتصاد الموازي الذي ترعاه الدويلة! وتزامناً رفضت الجهات المعنية الاجراءات الحقيقية لخفض الديونية وزيادة الموارد: لا تشريع ضريبي على الثروة ومعروف أن أي حسم من نسبة الدين لا توازي الكثير مما تم دفعه للكارتل المصرفي والسياسي على شكل فوائد فاحشة تجاوزت كل الحدود! أما الحديث عن استعادة أموال منهوبة ومسروقة أو واقعة تحت السلبطة، فلا شيء مؤكد ولا نية حقيقية، لن الرهان هنا على القضاء، وأقله كان ذلك يفترض البت الفوري للتشكيلات القضائية وليس تجزئتها وحجزها وإقرار قانون استقلالية السلطة القضائية ولم يحصل شيء من ذلك!
وفوق أن المطروح ويهدد ببيع أصول الدولة ( كانت الاشارة في يومية الأمس) لا يخبرنا كيف يستعيد لبنان الاقتصاد وكيف تُستعاد المجالات التي توفر الوظائف للمواطنين، فإن الثقة هي المفقود الأول، أما المفقود الثاني فهو الأمر الأكثر تأثيراً على التعاطي الخارجي بجدية مع لبنان وهو يمر عبر جانبين: أولهما الاصلاحات الحقيقية، إذ كيف يمكن الحديث عن خطة “خلاص وطني” وتستمر السياسات إياها في الكهرباء مثلاً التي رتبت نحو 45 مليار دولار دين، وكيف تستمر حكاية صفقات الهدر والنهب على بناء السدود غير المجدية وأمام المواطنين هذه الأيام سد المسيلحة الذي تسربت كل مياه قبل نهاية نيسان! والثاني موضوع السيادة والحدود المستباحة. هنا استمرار ارتهان القرار ليس في مصلحة أوراق الاعتماد المقدمة لصندوق النقد الدولي، التي تزامنت أيضاً مع القرار الألماني، فالجهات الممولة للصندوق لها سياساتها الواضحة حيال النظام الايراني وأذرعه المختلفة وحزب الله أحد هذه الأذرع!
سيتواصل النقاش حول أوراق حكومة الأقنعة التي رفضتها جمعية المصارف لأنها لم تستشر فيها، ورأت أنها تقوض الثقة بلبنان(..) وأنها تقوم على بضعة فرضيات وتتجاهل الضغوط التضخمية، وما يلفت أن جمعية المصارف أدانت تجاهل 3 أولويات هي: الاحتفاظ بالوظائف، وتخفيف حدة الفقر والحد من عدم المساواة، وانتقدت بشدة السياسة التي يحمل فيها المقترض الجهة المُقرضة المسؤولية عن فشله!
تزامناً مر الأول من أيار حاملاً الكثير من الرسائل، أبرزها أن عشرات المسيرات التي عمت كل جهات لبنان، وروعيت فيها إلى حدٍ كبير الاجراءات الصحية الضرورية، وجهت رسالة أن لا ثقة بحكومة الدمى وأن إسقاط الحكومة مدخل الخروج من عنق الزجاجة والذهاب إلى مرحلة انتقالية.. لكن الرسالة الأهم كانت النقاشات التي جرت في كل مكان، ولحمتها وسداها أن المرحلة طويلة جداً، وأنه آن الأوان كسر الحلقة المفرغة، بالاعتماد على الهبات الشعبية، والخروج من قول عقيم لوجوه معروفة: لا قيادة للثورة لتبرير تطاولهم والأجندة التي يعمل عليها بعضهم. حديث الساحات هو التنظيم وبناء الوقائع الصلبة على الارض لتكون نواة عمل سياسي جبهوي ينقل التغيير إلى مستوى متقدم، وأفتح مزدوجين للإشارة إلى أن هذا التحدي تنظيماً وسياسة يواجه أولاً “لقاء تشرين” الذي قدم قيمة مضافة نتيجة اختراقه كل الشرائح والمناطق اللبنانية، كما أن التحدي مطروح على الآخرين. وحديث الساحات يطالب برنامج محدد اليوم: لن نقبل تحميل المواطنين الذين تم إفقارهم وزر المنهبة والانهيار كما في وريقات الحكم “التاريخية”، إلى رسم بنود خطة النهوض. فقط عبر هذا المنحى يكون تحمل المسؤولية والأمانة لأن من شأنه بلورة الجهات التي ستكون مؤهلة إعلان لجنة تنسيق قيادية حقيقية قادرة على إعلان الموقف واستعادة زخم الساحات.. وفي نفس الوقت بلورة هذه القوة باتت ضرورة بوجه التمادي في المنحى الأمني واستسهال التعديات على المناضلين وقد حمل الأول من أيار نماذج مخذية لا يمكن السكوت عنها، ..وآن الأوان لرفض منحى التبرع بتقديم النصح لحكومة الدمى ووقف نقاشات غير مجدية تضع العربة قبل الحصان!
وكلن يعني كلن