1. Home
  2. ولكن
  3. الدار.. للمصارحة أيضًا!
الدار.. للمصارحة أيضًا!

الدار.. للمصارحة أيضًا!

0
0

عمر الفاروق النخال | لا تبدو دعوات “الحريصين” على المجالس الداخلية لدار الفتوى، ومعها المداولات المتصلة بظروف انتخاب المفتي الجديد، قابلة للصرف هذه المرة، وذلك لأسباب كثيرة، أبرزها الدروس المستفادة من الاستحقاق السابق عام ٢٠١٤، الذي جاء بصاحب السماحة الشيخ عبد اللطيف دريان مفتيًا للجمهورية، إلى جانب الذهنية الإشكالية لدار الفتوى نفسها في التعاطي مع عنوان “خصوصية شؤون الدار”.

كان يمكن تمرير الاستحقاق بأقل جلبة ممكنة، لكن على الأرجح ثمة من هو مرتاح لبقاء الدار ممرًا لكل أشكال الصفقات وتصفية الحسابات المزمنة، أو مجرد مكتب حتى لتسديد كامل الأثمان الناتجة عنها، على حساب كثير من المخلصين الذين يريدون لاستحقاق انتخاب المفتي أن يبقى آخر صورة نقية معبّرة عن شفافية أعلى مؤسسة دينية سنية، ومتنفسًا يعيد ترميم ما أمكن من الشروخ والتفسخات البنيوية والإدارية للدار.

تكمن الازدواجية التي يتعاطى من خلالها القابضون على قرار الدار في اعتمادهم الكلي على أسماء ووجوه مجاهرة بإبرام الصفقات في السياسة والإعلام وعبر وسائل التواصل الاجتماعي، من خلال إدارة حفلات التطبيل والتلميع المؤذية لمستقبل الدار قبل حاضرها، وقبل أي اسم على رأسها، لإقفال الطرق على لحظة الحقيقة والمكاشفة. اللحظة التي ما إن تحلّ، حتى ينبري هؤلاء في صياغة نظريات وسرديات الحرص والسرية، على نحو تصبح فيه لغة الإنكار وسيلة وحيدة قادرة على تأجيل الإصلاح ولجم التغيير المنشود.

من علامات الإنكار أو المفارقة تلك أن نفس الوجوه والأسماء المنادية بالحرص والسرية وغيرها من العناوين المصطنعة وقفوا منتشين في باحة دار الفتوى صبيحة انتخاب المفتي دريان، يسهّلون توزيع سيرته الذاتية حصرًا، دونما اعتبار لجلسة انتخاب يُفترض أنها شفافة وديمقراطية، يتم نقل وقائعها على الهواء مباشرة، ودونما اعتبار للمرشح المنافس آنذاك، سماحة القاضي الشيخ أحمد درويش الكردي.

كنتُ من الصحافيين الذين غطوا ذلك الحدث يومها، وشهدت بنفسي على تلك الأسماء والوجوه التي لم تستطع انتظار انقضاء مراسم الاستحقاق الرسمية لإعلان “انتصارها السياسي”، وأفضل درس على هؤلاء مراجعته اليوم يقول بصراحة مدوية بأن من سارع إلى فرض أمر واقع والتباهي به لا يحق له على الإطلاق اليوم تأجيل لحظة الحقيقة الكفيلة وحدها بجعل دار الفتوى دارًا للمصارحة أيضًا.

ولا نعتقد في هذا المجال أن أهل السنة والجماعة متحمسون اليوم لاسم دون سواه، بقدر ما هم يحلمون بدار تقودها العقول الواعية والواقعية، القادرة على تفنيد كل وقائع السنوات الراحلة بجرأة أدبية تعيد الأمل لأبناء الطائفة بمؤسستهم وقدرتها على مواكبة الاستحقاقات وتعقيداتها بعين الوعي والرصانة.

الحاجة ملحّة، على سبيل المثال، لوجه يسمّي الظروف التي أفضت إلى تغطية الدار لخيارات سياسية متهورة انعكست على الطائفة السنية بأكملها أفولًا وتراجعًا وإحباطًا وانعدام ثقة بأي وجه أو اسم يعتلي منابرها!

الحاجة ملحّة أيضًا، لمن يخطّ أو يرسم الخيط المتين لا الرفيع، ما بين السياسة والشأن الديني، فبهذا فقط تُصان الخصوصيات بحق، بدلًا من تحويل هذا العنوان المحق إلى وسيلة للهروب من المسؤولية وترك الطائفة تتخبط بفوضى السياسة وضوضائها!

والحاجة ملحّة أيضًا وأيضًا، إلى من يصيغ مفهومًا متجددًا لخصوصية الدار، قائمًا على الحوار والتواصل وإشراك الطائفة مباشرة في شؤونها وإطلاعها على كل الظروف والتحديات المرتبطة، بدلًا من مخاطبتها عبر مديري مجموعات وحسابات ذباب إلكتروني كارهة للحقيقة ومهووسة بإبعاد الخواتيم السعيدة الراقية للطائفة وأهلها!

لهذا كله نريد دار الفتوى دار مصارحة، فعندما تتحقق هذه المعايير تسمو المعركة من كونها وجوهًا وأسماء إلى مصلحة طائفة كريمة مؤسسة للوطن، لها فيه حقوق مثلها مثل كل الطوائف الكريمة الأخرى، وهذا التحدي يتطلب حكمة تدير وتجمع وتصغي وتقارب وتقرر، لا مؤثرين ونجومًا يتشدقون بما لا يعلمون!

إضاعة هذه الفرصة ستكون جريمة، لا بل مجزرة بحق طائفة اختبرت كل أصناف الصبر والمصابرة، ومن حقها الحصاد المثمر.


tags: