1. Home
  2. لبنان
  3. جامع جمال عبد الناصر في كورنيش المزرعة… قبة خضراء تختزن نصف قرن من ذاكرة بيروت
جامع جمال عبد الناصر في كورنيش المزرعة… قبة خضراء تختزن نصف قرن من ذاكرة بيروت

جامع جمال عبد الناصر في كورنيش المزرعة… قبة خضراء تختزن نصف قرن من ذاكرة بيروت

0
0

المحامي ميشال فلاّح | في بيروت أبنية تتجاوز وظيفتها، فيصبح اسمها جزءاً من لغة المدينة وذاكرتها. وجامع جمال عبد الناصر في كورنيش المزرعة واحد منها. يكفي أن تقول «عند جامع عبد الناصر» ليعرف البيروتي المكان، من دون حاجة إلى اسم شارع أو رقم عقار. حتى البيانات الرسمية تستخدم اليوم عبارة «تقاطع جامع عبد الناصر»، بعدما تحول المسجد إلى علامة ثابتة في جغرافية العاصمة.

لكن خلف القبة الخضراء تاريخاً أبعد من حدود المسجد. فمنذ أواخر الستينيات، مرّت من هنا الناصرية البيروتية، وصعود إبراهيم قليلات «أبو شاكر» وحركة «المرابطون»، ومرّت الحرب الأهلية، وحصار بيروت والاجتياح الإسرائيلي، ومعارك الثمانينيات. ومن أمام الجامع أيضاً انطلقت واحدة من أطول الحركات المدنية في لبنان بحثاً عن المخطوفين والمفقودين.

إنه، باختصار، مكان يمكن أن تُقرأ من خلاله صفحات كاملة من تاريخ بيروت الحديثة.

من الرمل إلى الجامع

لم تكن المزرعة والطريق الجديدة دائماً بذلك الامتداد العمراني الذي نعرفه اليوم. فذاكرة أبناء المنطقة تستعيد أجزاء واسعة منها يوم كانت أرضاً رملية على تخوم بيروت العمرانية، قبل أن يمتد إليها البناء سريعاً بعد منتصف القرن العشرين.

وفي هذه البيئة بدأ إنشاء الجامع سنة 1969 على العقار رقم 3807 من منطقة المزرعة العقارية، واستغرق بناؤه، وفق التوثيق المنشور عنه، نحو عامين. وكان الزمن زمن جمال عبد الناصر. فالزعيم المصري العروبي كان يتمتع بحضور استثنائي في الشارع العربي، ولا سيما في بيروت الغربية وأحيائها الشعبية. وحين توفي في 28 أيلول 1970، كان المسجد لا يزال في طور الإنجاز، فاقترن باسمه وحمل ذكراه.

وتربط المصادر المتاحة خالد جمال عبد الناصر ببدايات الجامع. فمصدر يؤرخ للمسجد يذكر حضوره افتتاحه بعد وفاة والده، فيما قال إبراهيم قليلات لاحقاً إن خالد شارك في وضع حجر أساس المبنى الذي ضم الجامع ومكتبة ثقافية ومرافق أخرى.

علماً أن الاسم الرسمي للمسجد هو “التقوى”، أما في ذاكرة بيروت واستعمالها اليومي، فقد استقر الاسم ببساطة: جامع عبد الناصر.

عمارة بيروتية بنَفَس مغاربي

معمارياً، لا يشبه الجامع مساجد بيروت العثمانية القديمة. فهو ابن العمارة الدينية الحديثة التي رافقت تمدد العاصمة في النصف الثاني من القرن العشرين. يتألف المبنى من أربعة طوابق علوية وطابق سفلي، وتعلوه القبة الخضراء والمئذنة اللتان أصبحتا علامته البصرية. أما داخله فيحمل خصوصية فنية لافتة. إذ تنسب المصادر جانباً مهماً من زخارفه ونقوشه إلى فنان مغربي استُقدم من مدينة فاس، وعمل إلى جانب فنانين وحرفيين محليين، فأدخل إلى مسجد بيروتي حديث شيئاً من روح الفن المغاربي. وتقدر طاقته الاستيعابية بنحو ألفي مصلٍّ.

ولم تقتصر وظيفة المكان على الصلاة. ففي محيط المسجد قامت مكتبة عرفت باسم «مكتبة علوم الإسلام»، وكانت سنة 2000 نموذجاً عمل مجلس أمنائها، برئاسة مفتي الجمهورية آنذاك الشيخ محمد رشيد قباني، على تعميم تجربته في مساجد أخرى. كما احتضن الجامع مناسبات دينية نظمتها المديرية العامة للأوقاف الإسلامية، ما يؤكد مكانته في الحياة الدينية الرسمية للعاصمة.

من زاروب الطمليس إلى «أبو شاكر»

وتروي جغرافية الحي جانباً آخر من الحكاية. فتوثيق «تراثنا بيروت» يذكر زاروب الطمليس الذي يبدأ من كورنيش المزرعة، إلى الشرق من جامع عبد الناصر، وينتهي عند ساحة أبي شاكر. وهكذا تجتمع حول المسجد أسماء من ذاكرة بيروت الشعبية: الطريق الجديدة، كورنيش المزرعة، الملعب البلدي، زاروب الطمليس و«أبو شاكر».

أما «أبو شاكر» فهو إبراهيم قليلات، مؤسس حركة الناصريين المستقلين – «المرابطون»، الذي بلغ حضوره في المنطقة حداً جعل لقبه يتحول شعبياً إلى اسم للمحلة والمستديرة القريبة من الجامع. وتصف إحدى الروايات الصحفية عملية تحديد منزل قليلات من ناحيتي الملعب البلدي وجامع عبد الناصر، في منطقة كان الانتماء الناصري فيها شديد الحضور. هنا التقت الجغرافيا بالسياسة، حتى صار الجامع و«أبو شاكر» والمرابطون أجزاء من مشهد بيروتي واحد.

«المرابطون»… حين خرج الاسم من المكان

يصعب فصل جانب من تاريخ جامع عبد الناصر عن تاريخ «المرابطون»، لأن الأحداث نفسها جمعت بينهما. ولعل أكثر الروايات دلالة تلك التي حفظها أرشيف صحيفة «السفير». فبحسبها، كان إبراهيم قليلات ومجموعة من رفاقه مرابطين في جامع عبد الناصر في مرحلة توتر بين الجيش اللبناني والفدائيين الفلسطينيين، عندما اقترح الصحافي والسياسي عبد الله المشنوق تسمية المجموعة بـ«المرابطون». أعجبت قليلات الكلمة بما تحمله من دلالة تاريخية، فاستقر الاسم الذي ستعرف به الحركة لاحقاً. وهكذا يحمل اسم «المرابطون» نفسه، وفق هذه الرواية، شيئاً من ذاكرة الجامع.

ولم تتوقف العلاقة عند التسمية. فشهادة منشورة عن سنوات الحرب تضع المكتب الرئيسي للمرابطون بجانب مسجد جمال عبد الناصر، فيما يوثق أرشيف «السفير» وجود المقر المركزي للحركة في «أبو شاكر» ومبنى مرتبط بها خلف الجامع.

كانت، إذاً، جغرافية متداخلة: المسجد، وأبو شاكر، ومؤسسات الحركة، وبيئة ناصرية طبعت جانباً من هوية المنطقة في السبعينيات والثمانينيات.

1982الجامع في بيروت المحاصرة

ثم جاء الاجتياح الإسرائيلي سنة 1982. وجد كورنيش المزرعة والطريق الجديدة نفسيهما في قلب بيروت الغربية المحاصرة، وكان «المرابطون» إحدى القوى العسكرية الموجودة فيها. وتعرض الجامع لأضرار خلال سنوات الحرب والاجتياح، قبل أن يخضع لاحقاً لأعمال ترميم. وتورد إحدى الروايات التفصيلية عن خروج ياسر عرفات من العاصمة أن موكباً للمرابطون انطلق من جامع عبد الناصر، عبر كورنيش المزرعة، باتجاه المرفأ للمشاركة في وداعه عند مغادرته بيروت في صيف 1982. كان المشهد أشبه بإسدال الستار على مرحلة كاملة من تاريخ بيروت الغربية.

إذاعة المرابطون… ومن أمام الجامع خرج أهالي المفقودين

سنة 1982 ربطت الجامع أيضاً بحدث مختلف تماماً. كانت وداد حلواني تبحث عن زوجها عدنان الذي اختُطف، شأنها شأن مئات العائلات التي فقدت أبناء أو أزواجاً أو آباء خلال الحرب. وبعدما أدركت أن مأساتها ليست فردية، توجهت إلى إذاعة «صوت لبنان العربي» التابعة للمرابطون وأطلقت عبرها نداءً إلى أهالي المخطوفين والمفقودين. وكان الموعد: أمام جامع عبد الناصر.

تختلف المصادر في تحديد اليوم بين 24 و27 تشرين الثاني 1982، لذلك فإن الأدق القول إن ذلك جرى في أواخر تشرين الثاني 1982. لبى النداء مئات الأشخاص، غالبيتهم من النساء والأطفال، ومن أمام الجامع تحركوا باتجاه مقر رئاسة الحكومة في الصنائع لمقابلة الرئيس شفيق الوزان. ومن ذلك التجمع ولدت النواة التي أصبحت لاحقاً لجنة أهالي المخطوفين والمفقودين في لبنان.

والمفارقة شديدة الدلالة: إذاعة المرابطون حملت النداء، وجامع عبد الناصر كان نقطة اللقاء، ومن أمامه خرجت النساء تسأل أين أخذت الحرب أحباءهن. فالمكان الذي عرف لغة السلاح أصبح في اللحظة نفسها منطلقاً لواحدة من أطول المعارك المدنية الحقوقية السلمية في تاريخ لبنان.

1985 حين تبدّل وجه «أبو شاكر»

وبعد ثلاثة أعوام، عادت الحرب إلى المكان. في نيسان 1985 اندلعت المواجهات التي انتهت بانهيار الجزء الأكبر من القوة العسكرية للمرابطون في بيروت، في صراع شاركت فيه حركة أمل والحزب التقدمي الاشتراكي وقوى أخرى. وتكتسب شهادة جورج حاوي، الأمين العام السابق للحزب الشيوعي اللبناني، أهمية خاصة. إذ تحدث في شهادته الوثائقية عن حرب لبنان عن المعركة التي طالت جامع عبد الناصر والسيطرة عليه في سياق تلك المواجهات. وهكذا شهد المكان الذي ارتبط بصعود «المرابطون» واحداً من أكثر فصول تراجع نفوذهم العسكري دراماتيكية. غادر إبراهيم قليلات بيروت لاحقاً، وانحسر حضور الحركة، لكن اسم «أبو شاكر» ظل عالقاً في ذاكرة المنطقة بعد تبدل القوى والرايات.

قبة بقيت… ومدينة تغيرت

مرّ أكثر من نصف قرن. غاب جمال عبد الناصر، وصعد «أبو شاكر» ثم غادر، وظهرت «المرابطون» وانحسر نفوذها، وعاشت بيروت الحرب والحصار والاجتياح، فيما بقي ملف المفقودين مفتوحاً. وبقي الجامع. لذلك لا تكمن قيمة جامع جمال عبد الناصر في هندسته وحدها، ولا في اسم الزعيم العربي الذي يحمله، بل في طبقات الذاكرة التي تراكمت حوله.

من الرمل إلى العمران، ومن المدّ الناصري إلى «المرابطون»، ومن حصار 1982 إلى معارك 1985، ومن «صوت لبنان العربي» إلى أمهات المفقودين، ومن زمن الانقسام إلى لقاءات المصالحة. كل ذلك مرّ من هنا، أو على بعد خطوات.

واليوم، حين يقول البيروتي ببساطة: «عند جامع عبد الناصر»، فهو يحدد مكاناً.

لكن وراء الاسم حكاية أكبر بكثير: قبة خضراء بقيت في مكانها، فيما مرّ من حولها نصف قرن من تاريخ بيروت.


tags: