المحامي ميشال فلاّح | ثمة أماكن لا تحتاج إلى أن تروي تاريخها. يكفي أن تدخلها، أن تتطلع إلى أيقونة عتيقة، أو ترفع رأسك نحو برج جرس، حتى تشعر بأن الذين مرّوا من هنا لم يرحلوا تماماً. مار مخايل المزرعة واحدة من هذه الأماكن.
هناك، وسط بيروت التي كبرت حولها حتى كادت تخفيها، تقف كنيسة رئيسي الملائكة ميخائيل وجبرائيل للروم الأرثوذكس. السيارات تمر، الأبنية ترتفع، الوجوه تتبدل، أما هي فما زالت في مكانها. تفتح بابها صباحاً، تضيء شموعها، ويرتفع جرسها فوق حيّ يعرف صوته منذ أجيال. لكن حكاية مار مخايل ليست حكاية كنيسة فقط. إنها حكاية حيّ.
حين كانت المزرعة بساتين
تعود بدايات الكنيسة إلى القرن التاسع عشر. ويُرجع تاريخ الرعية بناءها الأول إلى نحو سنة 1860، قبل أن يحل مكانه بناء أكبر، مزوّد بأيقونسطاس. ثم جاءت تحسينات عشرينيات القرن الماضي، وبعدها التوسعة الكبرى بين 1965 و1967، حين أضيف البرجان والمدخل الضخم.
كانت الكنيسة تكبر. وكانت بيروت تزحف نحوها. البساتين تنحسر، والأراضي الزراعية تصبح بيوتاً، ثم شوارع وعمارات، إلى أن شُق كورنيش المزرعة وصار ما كان يوماً طرفاً هادئاً من بيروت واحداً من أكثر شرايينها حركة.
لكن شيئاً آخر كان ينمو هناك. الناس. كان هناك عالم اجتماعي، مركزه مار مخايل وأوقافها وعائلاتها. كنيسة لم تكن منفصلة عن محيطها، بل جزءاً من نسيجه اليومي. وتأتي ذاكرة أهل المزرعة لتكمل ما لا تستطيع الوثيقة أن تحفظه. فحين يتحدث كبار السن عن المنطقة القديمة، تتساقط الأسماء كأنهم يقرأون خريطة لم تعد موجودة: مجدلاني، صليبا، بربور، تادرس، سركيس، سمعان، حداد، هرموش والصيقلي. وتحفظ الذاكرة الشعبية أيضاً أسماء إيليا دادا، ميشال صاغية، جرجي تادرس، طانيوس خالدي، نقولا كرم، متري العقدة، حنا يزبك، صليبا مجدلاني والياس الحلبي.
بعضها تثبته الوثيقة، وبعضها لم يبق له من وثيقة إلا ذاكرة الناس. لكنها جميعاً تقول شيئاً واحداً: كان الأرثوذكس جزءاً أصيلاً من المزرعة، إلى جانب جيرانهم المسلمين. قبل أن يتعلم اللبنانيون عبارة «العيش المشترك»، كانوا يعيشونه.
حين صار الناس أسماء شوارع
في سنة 1946، اجتمع رجال من المنطقة برئاسة ميشال تادرس لإنشاء مؤسسة رياضية على العقار 231. لم يكن العقار أرضاً عادية، كان من أوقاف مار مخايل. وكان بين المؤسسين حليم مجدلاني والدكتور وديع بربور ومرشد صليبا مجدلاني. وفي 18 أيلول 1947 صدر العلم والخبر رقم 3800، ومن تلك البدايات خرج نادي التعاضد. لم تبق أسماء هؤلاء الرجال في محضر تأسيس قديم. خرجت إلى الشارع. فقد حملت شوارع في المحيط أسماءهم، شعبياً ورسمياً. وكان قريباً منها قصر المجدلاني، ببنائه ذي الطابع الأوروبي وأشجاره، معلماً يعرفه أهل المنطقة.
أما بربور، فتحول مع الزمن من اسم عائلة قديمة إلى اسم شارع، ثم إلى اسم منطقة كاملة يعرفها كل بيروتي. وهنا تفعل المدن شيئاً غريباً وجميلاً بأبنائها. تخلّدهم… ثم تنسى لماذا. فحين كان مسلم من المزرعة يقول لسائق سيارة: «خذني إلى بربور»، أو يدلّ غريباً إلى تادرس أو مجدلاني، لم يكن يفكر في مذهب صاحب الاسم. كان يدلّه إلى بيته. كان يدلّه إلى بيروت.
كنيسة… خرج وقفها إلى الناس
حتى أرض الكنيسة لم تبق خلف سور. صارت جزءاً من حياة الحي: نادياً وملعباً وشباناً يركضون وأطفالاً يكبرون. وقريباً منها كان نادي الشبيبة-المزرعة، الذي تأسس في الثلاثينيات وارتبط بأسماء حبيب أبو شهلا وناصيف مجدلاني والدكتور وديع بربري والمختار نقولا نمر مجدلاني، «أبو السعد»، الذي وضع شعاره سنة 1949. ومن ذلك الوسط خرجت أسماء عرفتها الرياضة اللبنانية، بينها ناصيف مجدلاني وسبع فلاح.
لم يكن الوجود الأرثوذكسي في المزرعة إذاً كنيسة تُفتح يوم الأحد وتغلق أبوابها. كان كنيسة ووقفاً وبيتاً وشارعاً ونادياً وملعباً، وكان مقهى.
مقهى صليبا… بيروت حول طاولة
على كتف الكنيسة تقريباً، افتتح ميشال صليبا سنة 1951 مقهى صليبا. هناك كانت بيروت تجلس إلى الطاولة. السياسي إلى جانب الرياضي، ابن البسطة إلى جانب ابن الأشرفية، وأهل المزرعة مع القادمين من رأس النبع وبرج حمود. مرّ هنري فرعون من هناك، وكان نسيم مجدلاني من رواده، ومرّ كثيرون لم تسجل الصحف أسماءهم، لكنهم كانوا أصحاب الحكاية الحقيقيين. وتحتفظ ذاكرة المقهى بتفصيل صغير ربما يساوي كتاباً عن التعايش.
في شهر رمضان، كان ميشال صليبا يمنع زبائنه، حتى المسيحيين منهم، من الجلوس أمام المقهى نهاراً، احتراماً للصائمين. لم يكن هناك قرار رسمي. ولا مؤتمر للحوار الإسلامي-المسيحي. كان هناك جار يعرف حرمة جاره. وعلى أمتار قليلة، اجتمعت الكنيسة والمقهى والنادي والجامع. وكان جرس مار مخايل يصل إلى بيوت المسلمين كما المسيحيين. وكان أهل الحي يعرفون لغته. رنين للعرس. ورنين آخر حين يرحل أحدهم. وفي الجهة الأخرى كان يرتفع الأذان.
جرس وأذان. ولم يكن اجتماعهما خبراً يستحق أن تكتب عنه الصحف. كان اسمه: المزرعة.
بدأ شيء ينكسر
لم تنتظر المزرعة سنة 1975 كي تتغير. بعد أحداث 1958، غادرت بعض العائلات المسيحية، وبينها أرثوذكس وسريان، نحو الأشرفية ومناطق أخرى. بقي كثيرون، واستمرت الحياة، لكن الشرخ الأول كان قد ظهر. ثم جاءت 1975. هذه المرة لم تكن المدينة تتغير، كانت تنكسر. كبرت المتاريس وصغرت المسافات بين الناس. صار الاسم أحياناً بطاقة هوية، والمنطقة سؤالاً، والطائفة احتمال نجاة أو خطر. رحلت عائلات أخرى. انتقل كثير من الأرثوذكس إلى المتن ومناطق ذات غالبية مسيحية. وتضررت مار مخايل نفسها خلال سنوات الحرب. لكنها بقيت، وهنا ربما تبدأ أجمل حكايتها.
مار مخايل لم تكن غريبة عن المزرعة كي يُقال إنها بقيت فيها، هي جزء من تاريخها. الأدق أن نقول إن الحي تغيّر، لكنه لم يطرد ذاكرته. بقيت الكنيسة لأن أبناءها تمسكوا بها. وبقيت أيضاً لأن جيرانها عرفوا أنها بيت من بيوت المزرعة، حتى وإن لم تكن بيت صلاتهم. فالحجارة لا تحمي الكنائس وحدها. أحياناً يحميها الجيران. وبقي الجرس…

انتهت الحرب
رُممت الكنيسة وتوسعت غرباً، وأضيف إليها رواق ومدخل وأيقونسطاس جديد. وكأنها، بعد حرب جعلت الجميع أصغر، اختارت أن تتسع. اختفت البساتين. هُدمت بيوت. أقفلت محال. هاجر أبناء. لكن بعض الأسماء بقي على الشوارع. وبقي التعاضد. وبقيت مار مخايل. وما زال الجرس يدق. ربما يسمعه رجل مسن فيتذكر بيتاً لم يعد موجوداً. وربما تسمعه امرأة فتتذكر يوم وقفت عروساً أمام المذبح. وربما يسمعه جار مسلم فيعود، من دون أن يدري، إلى زمن كان فيه أهله يعرفون من رنين مار مخايل إن كان عند جيرانهم فرح أم حزن. وهكذا يصبح الجرس أكثر من دعوة إلى الصلاة. يصبح نداءً إلى الذاكرة.
وفي أعلى الكنيسة يبقى الاسمان اللذان حملاها كل هذه السنوات: ميخائيل وجبرائيل. واحد يحرس، والآخر يبشّر. وكأن رئيسي الملائكة ما زالا يسهران على المزرعة، لا على حجارة الكنيسة وحدها، بل على ذاكرة حيّ عرف، قبل أن نخترع له المصطلحات، كيف يعيش الناس معاً. لأن المدن، مثل البشر، قد تنسى أحياناً من كانت. لكن الله يترك لها أماكن صغيرة…كي تتذكّر.