المحامي ميشال فلاّح | حين نقول اليوم «المزرعة»، يخطر في البال شارع طويل، حركة لا تهدأ، أبنية متلاصقة، محال تجارية، سيارات ومؤسسات وأحياء تتشابك حتى يكاد يصعب على الزائر أن يعرف أين تنتهي منطقة وتبدأ أخرى. لكن اسم المزرعة أقدم بكثير من هذا المشهد.
في بدايات القرن العشرين، كانت المزرعة أقرب إلى مشهد ريفي عند أطراف بيروت: بساتين وحقول وأشجار توت وتين وصبّير وخضار، وأرض مفتوحة أخذت المدينة تتمدد إليها تدريجياً. وحتى المكان الذي صار لاحقاً شارع زريق كان في الأصل تلّة رملية تُعرف بـ«تلّة زريق».
ثم كبرت بيروت، وكبرت معها المزرعة. ومع الزمن لم يعد الاسم يدل فقط على بقعة زراعية محددة، بل صار اسماً جامعاً لمجال عمراني واجتماعي واسع. ولهذا يمكن فهم «المزرعة» البيروتية القديمة بوصفها المظلة التي اندمجت تحتها، في الذاكرة الشعبية والعمرانية، مناطق المزرعة (اليوم) والبربير ورأس النبع والنويري والطريق الجديدة، وأجزاء من كورنيش المزرعة وبشارة الخوري وبربور وزريق، وصولاً إلى تخوم أخرى من الامتداد البيروتي. فالمزرعة، بهذا المعنى، لم تكن مجرد حي، كانت مزرعة واحدة أخذت المدينة تحيط بها حتى صارت جزءاً من قلبها.
وكان التحول الأكبر مع شق كورنيش المزرعة عام 1957. فقد فتح الطريق أمام حركة عمرانية وتجارية واسعة، وارتفعت أسعار الأراضي، وبدأت البيوت المنخفضة والبساتين تتراجع أمام الأبنية الحديثة.
لكن العمران لم يكن وحده ما صنع شخصية المزرعة. الذي صنعها حقاً هم أهلها. كانت العائلات السنية من أبرز مكونات المنطقة، ومن بينها أبو لبن، الزاهد، فتح الله، فتحة، كبي، نحاس، غلاييني، التنير، الفاخوري، الناطور، الخطاب والقيسي، وغيرهم.
وفي المقابل، عاشت إلى جانبهم عائلات روم أرثوذكس مثل سركيس وسمعان وصليبا ومجدلاني وحداد وهرموش والصيقلي، وعائلات روم كاثوليك مثل أبو عراج، وموارنة مثل حبيقة، وسريان مثل ديب، كما استقرت فيها عائلات شيعية قدم قسم منها من إقليم التفاح وبلدات الجنوب.
ولم يكن هذا التنوع مجرد أسماء في سجل النفوس. كان حياة يومية. جيران مختلفو الطوائف، مدارس مشتركة، علاقات عائلية، محال وأسواق، وأحاديث تمتد من رأس النبع إلى البربير، ومن المزرعة إلى الطريق الجديدة. وتروي شهادات أبناء المنطقة أن المسلمين كانوا يجتمعون للصلاة في مسجد واحد، فيما كانت علاقات الجيرة بين المسلمين والمسيحيين تتجاوز كثيراً حدود الطائفة.
وكانت المساجد جزءاً من هذا المشهد، ومنها المساجد القديمة التي ارتبطت بأحياء المزرعة والبربير ورأس النبع، ثم برز لاحقاً جامع جمال عبد الناصر على كورنيش المزرعة، الذي أصبح من العلامات الدينية والعمرانية المعروفة في المنطقة. وفي المقابل، كانت الكنائس، ولا سيما كنيسة مار مخايل (رئيسا الملائكة ميخائيل وجبرائيل)، حاضرة في النسيج نفسه، بما يعكس ذلك التداخل الذي ميز بيروت قبل الحرب.
وكانت الأسواق قصة أخرى. في البربير، وفي الشوارع المتفرعة من المزرعة، نشأت حركة تجارية نشطة، وتحولت محال صغيرة إلى علامات يعرفها أهل المنطقة بالاسم وبصاحب المحل قبل اللافتة. ولم تكن التجارة مجرد بيع وشراء، كانت وسيلة للتعارف، ومكاناً للأخبار، وذاكرة يومية للحي. وتشير الروايات المحلية إلى أن عدداً من العائلات التي تحسنت أوضاعها الاقتصادية أنشأت محالها في السوق التجاري في بربور. دون ان ننسى المقاهي، الصلح ودوغان وصليبا وغيرهم.
ومن هذه البيئة خرجت شخصيات سياسية وثقافية واجتماعية متعددة، من رشيد بيضون ونسيم مجدلاني وفريد جبران ومحمد الكبي، إلى شخصيات دينية وقضائية مثل الشيخ عبد الحميد الحر. وكانت الكلية العاملية، والمدارس والمساجد والكنائس والأسواق، جميعها جزءاً من شبكة الحياة التي صنعت شخصية المنطقة.
وقبل 1975 كانت المزرعة قد تحولت نهائياً من أرض زراعية إلى قلب مديني نابض. لم تعد «المزرعة» مجرد بساتين، بل صارت خليطاً من الأحياء والشوارع والأسواق والبيوت والطوائف والعائلات والمهن، يجمعها شيء يصعب تعريفه على الخريطة لكنه واضح في الذاكرة: روح بيروت.
ولهذا، فإن الحديث عن المزرعة ليس بكاءً على زمن مضى. فالمنطقة تغيرت، كما تغيرت بيروت كلها، وتبدلت أبنيتها وطرقاتها وسكانها وملامحها. لكن قيمتها التاريخية لا تكمن في الحنين إلى ما كان، بل في الدرس الذي تركته: أن مدينة تستطيع أن تجمع في شارع واحد مسلماً ومسيحياً، سنياً وشيعياً، بيروتياً ووافداً، تاجراً ومعلماً ومحامياً وعاملاً وطالباً، ثم تجعل من اختلافهم حياة مشتركة لا مشكلة مشتركة.
تلك هي المزرعة التي سبقت الحرب. ليست «أطلال بيروت»، بل إحدى أجمل صور بيروت حين كانت تتسع للجميع. ومن هنا يبقى تنوعها نموذجاً فريداً، فالمزرعة لم تكن فقط جزءاً من العاصمة، بل كانت في كثير من وجوهها الصورة الشعبية الصادقة لبيروت نفسها: مدينة متعددة، مفتوحة، صاخبة، حيوية، ومختلفة… لكنها تعرف كيف تعيش مع اختلافها.