المحامي ميشال فلاّح | لو أراد أحد أن يروي حكاية بيروت في النصف الأول من القرن العشرين، من دون أن يفتح كتب التاريخ، لكان يكفيه أن يصعد قليلاً نحو المصيطبة. هناك، على المرتفع الذي كان يشرف على المدينة والبحر، كانت بيروت تتكثف في بيوت وقصور وبساتين ومدارس وجوامع وكنائس، وفي خليط من العائلات والطوائف والمهن والأفكار. لم تكن المصيطبة مجرد حيّ من أحياء العاصمة، كانت، إلى حد بعيد، صورة مصغّرة عنها.
تعود تسمية المصيطبة، بحسب إحدى الروايات المتداولة، إلى “المسطبة”، أي المكان المرتفع، فيما تربط رواية أخرى الاسم بمكان كان يُستخدم لصناعة السفن. والثابت أن المنطقة كانت مرتفعة عن بيروت القديمة، ذات هواء معتدل، ولذلك عُرفت في عهود سابقة كمكان مفضّل للإقامة والاصطياف. ومع بداية القرن العشرين كانت لا تزال تحتفظ بكثير من ملامحها الريفية، أراضٍ وبساتين وبيوت متباعدة، قبل أن تبدأ بيروت الحديثة بالتمدد إليها. وتشير المصادر التوثيقية إلى أن المصيطبة كانت من المناطق التي قصدتها العائلات البيروتية صيفاً بسبب ارتفاعهما وخضرتهما ومناخهما.
ومع الانتداب الفرنسي، ثم خصوصاً في عشرينيات وثلاثينيات القرن الماضي، أخذت الصورة تتغير. خرجت عائلات من داخل بيروت القديمة، وبدأ العمران يصعد نحو المصيطبة. ظهرت البيوت الكبيرة والقصور إلى جانب المساكن الشعبية، وتجاورت الأراضي الواسعة مع الأزقة الجديدة. وفي القسم الشمالي برز حضور عائلات بيروتية سنية، وفي مقدمتها آل سلام، بينما امتلكت عائلات مسيحية، ولا سيما من الروم الأرثوذكس والسريان، مساحات واسعة من الأراضي. وهكذا لم يكن التنوع السكاني ظاهرة طارئة، بل جزءاً من تكوين المنطقة منذ نشأتها الحديثة.
وكان للمصيطبة قلبٌ ديني واضح، لكنه لم يكن أحادي اللون. ففي عام 1884 شُيّد جامع المصيطبة، الذي أصبح أحد أبرز معالم المنطقة الإسلامية، في عهد السلطان عبد الحميد الثاني، بمساهمة من والي بيروت أحمد حمدي باشا وأهالي المدينة. وكان الجامع، إلى جانب وظيفته الدينية، مركزاً اجتماعياً وتعليمياً لأبناء الحي.
وفي الجهة المسيحية، احتضنت المصيطبة كنيسة مار الياس بطينا ومدرستها، كما استقرت فيها الرعية السريانية التي أنشأت كنيسة مار بطرس وبولس ومدرسة مار سواريوس. وفي عام 1970 أصبحت قبة كنيسة مار بطرس وبولس محور حادثة دينية شهيرة، عندما تحدث سكان وتلامذة عن ظهور طيف السيدة العذراء، فتوافد إلى المكان، طوال أسابيع، أشخاص من طوائف ومذاهب مختلفة، بعضهم مؤمن وبعضهم متشكك وبعضهم بدافع الفضول. ومهما اختلفت القراءات، بقيت الحادثة جزءاً من ذاكرة المصيطبة الشعبية.
ومن المصيطبة خرجت، أو أقامت فيها، شخصيات تركت آثاراً في السياسة والثقافة والإعلام والفكر. يكفي أن نذكر صائب سلام، رجل الاستقلال ورئيس الحكومة اللبناني الذي ارتبط اسمه بالمصيطبة. كما عاشت في المنطقة شخصيات أدبية وفنية وإعلامية متعددة.
ولعل أجمل ما في هذه القائمة أنها لا تنتمي إلى مجال واحد ولا إلى بيئة اجتماعية واحدة. ففي المصيطبة كان يمكن أن يخرج من المدرسة نفسها طبيب أو شاعر أو صحافي أو سياسي أو فنان. وكانت مدرسة مار الياس بطينا، التي تأسست في مطلع الخمسينيات، واحدة من المؤسسات التعليمية التي لعبت دوراً في صناعة هذا الجيل، وخرّجت أجيالاً من أبناء المنطقة وغيرها، ومن كل الطوائف.
أما العائلات، فكانت المصيطبة تعرف أسماء كثيرة: سلام، بيهم، الداعوق، عليوان، العريس وغيرها من العائلات البيروتية، إلى جانب عائلات أرثوذكسية كآل حبيب وحداد والشويري والحاج وبطرس ومنصور، وسريانية توزعت في أحياء المنطقة. ولم يكن الحي عبارة عن جزر اجتماعية منفصلة، فقد كانت المدارس والأسواق والكنائس والجوامع والمقاهي والشوارع اليومية تخلق تماساً دائماً بين سكانه.
وبقيت المصيطبة حاضرة في الذاكرة الشعبية من خلال أسماء أحيائها وشخصياتها وعاداتها، ومن خلال اللغة اليومية التي كانت تصف أهلها وحياتها. ثم جاءت الحرب اللبنانية عام 1975، فتبدلت الخريطة، وانكسرت استمرارية اجتماعية وعمرانية عمرها عقود. تغيرت البيوت، واختفت بساتين، وارتفعت أبنية، وتبدلت تركيبة السكان، وانفتحت طرق جديدة، وتراجعت أجزاء كبيرة من المشهد الذي عرفته المصيطبة في النصف الأول من القرن.
لكن المصيطبة ليست قصة أطلال.
فما يستحق التوقف عنده ليس ما فقدته فقط، بل ما مثّلته أصلاً: حيٌّ ارتفعت فيه مئذنة إلى جانب جرس كنيسة، وسكن فيه المسلم والمسيحي، والسنّي والأرثوذكسي والسرياني، والغني وصاحب الدكان والموظف والعامل، وتجاورت فيه السياسة مع الأدب والمدرسة مع المسجد والكنيسة.
لهذا يمكن القول إن المصيطبة كانت، في بيروت ما قبل الحرب، روح العاصمة في مساحة صغيرة: مدينة لا تعيش على التشابه، بل على الاختلاف، المكمّل للآخر ولا تحتاج إلى أن يكون سكانها نسخة واحدة من بعضهم كي يشعروا بأنهم أبناء شارع واحد.
وإذا كانت بيروت قد تغيرت بعد 1975، فإن قيمة المصيطبة التاريخية لا تكمن في محاولة استعادة زمن مضى، بل في تذكيرنا بأن التنوع اللبناني لم يكن يوماً مشروعاً نظرياً، كان، في أحياء مثل المصيطبة، حياة يومية عادية وطبيعية.
وهنا ربما تكمن الحكاية الأجمل، أن المصيطبة لم تكن نموذجاً للتنوع لأنها أرادت أن تكون كذلك، بل لأنها كانت بيروت كما ينبغي أن تكونها المدينة، متعددة، متجاورة، صاخبة، مختلفة، وحيّة.