1. Home
  2. مقالات
  3. مِن بيروت التي كانت إلى بيروت التي نُريد
مِن بيروت التي كانت إلى بيروت التي نُريد

مِن بيروت التي كانت إلى بيروت التي نُريد

0
0

المحامي ميشال فلاّح | عاد إلى بيروت بعد سنوات طويلة. من نافذة السيارة، كان يحاول أن يتعرف إلى المدينة قبل أن تتعرف إليه. الشوارع نفسها تقريباً، البحر في مكانه، والضجيج لم يتغير كثيراً. لكنه شعر بشيء غريب: كان يعرف الطريق، لكنه لم يعد يعرف المدينة.

مرّ بالقرب من شارع كان يعرف فيه مقهى صغيراً اعتاد أن يجلس فيه لساعات. لم يعد المقهى هناك. مبنى قديم كان يتذكر شرفته ونوافذه اختفى خلف واجهة جديدة. متجر كان يعرف صاحبه منذ سنوات أغلق أبوابه. وحتى الوجوه التي كانت تمنح الشارع شيئاً من روحه لم تعد موجودة.

وصل إلى البحر. هناك، توقفت السيارة للحظات. ظل ينظر إلى الأفق، وكأن البحر وحده لم يتغير. ثم سأل نفسه سؤالاً بسيطاً، لكنه ربما كان أكثر الأسئلة إيلاماً: هل تغيّرت بيروت، أم أننا نحن الذين تغيّرنا؟

ربما لا توجد إجابة واحدة. فبيروت التي نعرفها لم تختفِ في يوم واحد. لم تستيقظ المدينة ذات صباح لتجد نفسها مدينة أخرى. لقد تغيرت ببطء. أزمة بعد أزمة، حرباً بعد حرب، هجرةً بعد هجرة، مبنىً بعد مبنى، حتى جاء يوم اكتشفنا فيه أن المدينة التي نحمل صورتها في ذاكرتنا أصبحت مختلفة عن المدينة التي نمشي في شوارعها.

ومع ذلك، ثمة حقيقة أخرى لا يمكن تجاهلها: بيروت لم تمت. هي متعبة، نعم. مجروحة، نعم. فقدت كثيراً من أبنائها وأدوارها ووهجها، نعم. لكنها ما زالت هنا. ما زال البحر في مكانه. ما زالت المقاهي تمتلئ في بعض الأحياء. ما زالت الجامعات تستقبل الطلاب. ما زالت المسارح والمطاعم والمعارض والمهرجانات تقاوم. وما زال هناك أشخاص، رغم كل شيء، يختارون أن يعيشوا فيها.

لهذا ربما يكون السؤال الخطأ هو: كيف نعيد بيروت التي كانت؟ فبيروت لن تعود كما كانت، تماماً كما لا تعود المدن والناس إلى ما كانوا عليه. السؤال الأكثر أهمية هو: أي بيروت نريد أن نبني؟

كانت بيروت في مراحل مختلفة مركزاً للصحافة العربية، والجامعة، والثقافة، والمصارف، والسياحة، والنشر، والمسرح، والفنون. وكانت بوابة لبنان إلى العالم، وبوابة العالم العربي إلى مساحة واسعة من المتوسط. لكن هذه الوظائف تراجعت تباعاً.

الأزمة الاقتصادية، انفجار المرفأ، الهجرة، تراجع الاستثمارات، ضعف الخدمات العامة، الأزمة السياسية وغياب التخطيط المدني المتكامل، كلها عوامل دفعت المدينة إلى حالة من الإنهاك. ومع ذلك، فإن بيروت لا تزال تملك ما لا يمكن استيراده: الموقع، والذاكرة، والموارد البشرية، والتنوع، والجامعات، والانفتاح الاجتماعي، والقدرة التاريخية على التواصل مع العالم. وهذه ليست عناصر هامشية. المدن الكبرى لا تُبنى بالإسمنت وحده، تُبنى بالوظائف التي تؤديها، وبالثقة التي تمنحها لسكانها ومستثمريها وزوارها.

لذلك، قد لا يكون السؤال الحقيقي: كيف نعيد بيروت إلى ما كانت عليه؟ بل: كيف نجعل بيروت ضرورية من جديد؟

تستطيع العاصمة، إذا توفرت لها رؤية واضحة، أن تستعيد موقعها كمركز اقتصادي ومالي وقانوني وثقافي في المنطقة.

لماذا لا تكون بيروت مركزاً إقليمياً للتحكيم وتسوية النزاعات؟ ولماذا لا تستعيد دورها كمركز للشركات والخدمات المهنية؟ ولماذا لا تصبح منصة للشركات الناشئة والتكنولوجيا؟ ولماذا لا تعود جامعاتها ومؤسساتها التعليمية إلى لعب دور إقليمي أكبر؟ ولماذا لا يُنظر إلى البحر والمرفأ باعتبارهما جزءاً من مستقبل المدينة، لا مجرد مساحة جغرافية؟

حتى الثقافة يمكن أن تصبح اقتصاداً. فالمتاحف، والمسارح، والمهرجانات، ودور النشر، والسينما، والموسيقى، والتراث العمراني ليست ترفاً في مدينة تبحث عن مستقبلها؛ إنها جزء من قدرتها على خلق الوظائف وجذب السياحة والاستثمار.

لكن ذلك يحتاج إلى شيء نفتقده أكثر من المال: الرؤية.

ربما من الظلم أن نطلب من بيروت أن تنقذ نفسها وحدها. فالمدينة تحتاج إلى دولة تعرف ماذا تريد منها. تحتاج إلى إدارة حضرية حديثة، ونقل عام فعال، وبنية تحتية لائقة، وحماية للتراث، وتشريعات تشجع الاستثمار بدلاً من تعطيله، وسياسة واضحة لإعادة تأهيل المناطق المتضررة من الانفجار، وبيئة قانونية تعيد الثقة إلى المستثمر والمقيم والمغترب.

بيروت ليست بلدية فقط، كما أنها ليست وزارة فقط. إنها مشروع وطني. ولعل أكبر خطأ ارتكبناه خلال العقود الماضية أننا تعاملنا مع العاصمة باعتبارها أمراً واقعاً، لا باعتبارها مؤسسة وطنية تحتاج إلى التخطيط والاستثمار والحماية.

قد يبدو الحديث عن بيروت عام 2040 بعيداً، لكنه ليس كذلك. بعد أربعة عشر عاماً، يمكن أن تكون العاصمة مدينة مختلفة تماماً: أكثر خضرة، أقل ازدحاماً، أكثر اعتماداً على النقل العام، أكثر ارتباطاً بالاقتصاد الرقمي، وأكثر قدرة على جذب الاستثمارات والطلاب والسياح. ويمكن أيضاً أن تكون مدينة أخرى تماماً إذا استمر الانحدار الحالي. المسألة إذاً ليست تنبؤاً بالمستقبل، بل اختياراً سياسياً واقتصادياً واجتماعياً.

نحن أمام خيارين: أن نبقى أسرى لصورة بيروت القديمة، نتحسر عليها في المقاهي وعلى مواقع التواصل الاجتماعي، أو أن نحول تلك الذاكرة إلى طاقة لبناء مدينة جديدة.

ربما ماتت بيروت التي عرفها آباؤنا. وربما لن تعود الحمرا كما كانت، ولا وسط المدينة، ولا المرفأ، ولا ذلك الإيقاع الذي جعل من بيروت مدينة لا تنام. لكن المدن لا تموت لأنها تتغير. تموت عندما تفقد سبباً يجعل الناس يريدون العيش فيها.

وهنا تكمن المعركة الحقيقية على بيروت. لا نحتاج إلى إعادة عقارب الساعة إلى الوراء، بل إلى إعادة تعريف وظيفة المدينة في لبنان والمنطقة. بيروت الجديدة يجب ألا تكون نسخة عن بيروت القديمة، بل مدينة تستفيد من تاريخها من دون أن تصبح أسيرة له. تحافظ على ذاكرتها من دون أن تعيش فيها. تفتح أبوابها للعالم من دون أن تفقد شخصيتها. وربما يكون أجمل ما يمكن أن يحدث لبيروت أن نتوقف عن السؤال: متى تعود بيروت التي كانت؟ وأن نبدأ بالسؤال الأصعب: أي بيروت نريد أن نترك لأبنائنا؟

فإذا وجدنا الإجابة، ربما تكون بيروت قد بدأت بالفعل في العودة.


tags: