1. Home
  2. مقالات
  3. دولة الإمارات.. هكذا عشتها | بقلم عمر الفاروق النخال
دولة الإمارات.. هكذا عشتها | بقلم عمر الفاروق النخال

دولة الإمارات.. هكذا عشتها | بقلم عمر الفاروق النخال

0
0

تأخرتُ كثيرًا لأكتب عن دولة الإمارات العربية المتحدة، تأخرتُ زهاء ثماني سنوات عامرة بمشهديات الريادة والنمو والإبهار، دفعتني طوال السنوات الماضية إلى وضع قلمي جانبًا والاستعاضة عن الكتابة بالمشاهدة والإصغاء.
كل ذلك كي لا أكون ظالمًا بحق حراك حضاري لحظي ينبض ويتنفّس ويتفاعل، كأي محب للإمارات مقيم على أرضها الطيبة السمحاء.

لكنَّ وعد الكتابة عن الإمارات حان أخيرًا، ليس من باب كونه قرارًا، بل من باب نضوج مواسم حصاد ما اختزنته ذاكرتي وامتلأت به حواسي من صور ووقفات ومحطات فخر واعتزاز بأن جزءًا من العمر مضى على أرض قوامها الإنسان.

وصلتُ دولة الإمارات مغتربًا، وأجزم بعد السنوات الثماني الماضية بأن أروقة مطار العاصمة أبوظبي كانت بحق ممرات للتعافي من مشاعر الشوق والبُعد الطبيعية التي تجتاح خاطر أي مقبل على تجربة جديدة بعيدًا عن بلده.
أستذكر وجوهًا متبسّمة أرشدت وسهّلت واختصرت عليّ بعض نوبات الضياع والارتباك، وأستذكر أصواتًا ونبرات أشعرتني منذ اللحظة الأولى بأن جغرافيا دولة الإمارات كلها باتت بمساحة بيت دافئ تعمّه المحبة والعروبة والأصالة والقيم والأخلاق.

“يا للفخامة”.. كانت تلك عبارة موحّدة قلتها لكل من راسلني وهاتفني خلال أيامي الأولى في دولة الإمارات، قبل أن يهدأ في قلبي كل الصخب ويتحوّل إلى حماسة يومية اكتشفتُ من خلالها نفسي أكثر، وتعرّفت إلى نسخة جديدة من ذاتي.
وعلى هذه الوتيرة النشطة والتفاعلية مضت تلك السنوات العزيزة، ففاضت في النفس مشاعر الثقة بالوجود على أرض صلبة تعرف كيف تواجه الصعاب والتحديات.

علّمني زمن كورونا في دولة الإمارات، على سبيل المثال، معنى الإنصاف وقيمة الإدارة في زمن الأزمات، وتحديدًا في المرحلة التي كنا نراسل فيها العالم بإجراءات وقاية منظمة وحضارية منحتنا، كمقيمين في دولة الإمارات، شعورًا عاليًا بالطمأنينة والثقة في إدارة واحدة من أصعب الأزمات التي عرفها العالم.

وظل صدى عبارة “لا تشلون هم”، التي قالها الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، ولي عهد أبوظبي آنذاك ورئيس الدولة اليوم، حاضرًا في الذاكرة. وصلت العبارة يومها حتى إلى قلوب أهلنا وأصدقائنا في لبنان، فبات بعضهم يرددها في اتصالاته ورسائله إلينا كلما أراد أن يخفف عنا قلق المرحلة.

أما التصعيد الإقليمي الأخير، فقد كشف لي هو الآخر أن الأمن والأمان ليسا مجرد عنوانين نرددهما في أوقات الرخاء، بل ثمرة مؤسسات واستعداد وثقة تتجلى قيمتها الحقيقية حين تأتي الأزمات.
وفي تلك الأيام، بدا لي بوضوح حجم الثبات الذي يمكن أن يصنعه شعور الناس بأن وراءهم دولة تعرف كيف تحمي استقرارها وتدير لحظاتها الصعبة.

كنتُ عالقًا في بيروت حينها، فيما كانت زوجتي وابني في أبوظبي ينتظران عودتي واختُصرت المسافات بيننا بعبارات بسيطة: «ما في شي»، «رواق»، و«ما تعتل همنا».
والغريب أن رسائل الطمأنة كانت تأتيني منهم أكثر مما كانت تأتيهم مني، وكأن سنواتنا في الإمارات كانت قد بنت داخلنا جميعًا رصيدًا من الثقة لا تهزّه بسهولة لحظات القلق.
ومضت المرحلة، وعدتُ إلى بيتي وعائلتي وعملي في أبوظبي بابتسامة امتنان، وبإحساس أكبر بقيمة الاستقرار الذي لا نعرف أحيانًا مقدار نعمته إلا عندما يُختبر.

بمرور السنوات الثماني إذًا، أدركتُ أن أكثر ما يختصر تجربة الإمارات ليس قدرتها المدهشة على تحويل المستحيل إلى مشروع له موعد إنجاز، بل تلك الفلسفة الهادئة التي تجعل الإنسان في قلب كل شيء.

هنا تشعر بأن النظام ليس قيدًا عليك، بل حماية لك، وتشعر في تجربتك اليومية بأن القانون يصون حقك قبل أن يسألك من أين أتيت، وأن الاحترام في المعاملة اليومية ليس استثناءً تتذكره، بل قاعدة تعتادها حتى تكاد تنسى كم هي ثمينة.

يكفي أن تدخل مؤسسة فتجد وقتك مصانًا، أو تمشي ليلًا مطمئنًا على عائلتك، أو ترسل طفلك إلى مدرسته منشغلًا بمستقبله ومطمئنًا إلى سلامته، أو تختلف مع إنسان في الرأي وتبقى مساحة الاحترام بينكما أوسع من مساحة الاختلاف.
عندها فقط تفهم أن الحضارة ليست أبراجًا وطرقات ومشاريع عملاقة فحسب، بل شعور يومي بالأمان والكرامة والعدالة والفرصة.

بعد ثماني سنوات، لم تعد دولة الإمارات بالنسبة إليّ عنوانًا مكتوبًا على بطاقة إقامة، ولا محطة مهنية في سيرة ذاتية، ولا مدينة أعود إليها بعد سفر.
أصبحت تلك اللحظة التي يبدأ فيها القلب بالهدوء ما إن تلوح أضواء المدينة من نافذة الطائرة.
أصبحت الطرق التي أحفظها من دون خرائط، والوجوه التي ألفتها، والمقهى الذي أعرف موظفيه، وزملاء العمل الذين تحول بعضهم إلى أصدقاء، وتفاصيل صغيرة لا يعرف قيمتها إلا من عاش طويلًا بعيدًا عن مسقط رأسه، ثم وجد مكانًا لا يطالبه كل صباح بإثبات أنه ينتمي إليه.

ولعل أجمل ما فعلته بي هذه البلاد أنها أعادت ترتيب علاقتي بالمستقبل.
القادم هنا ليس شيئًا نخافه وننتظر ما يحمله، بل مساحة يجري التحضير لها، حتى صار التفاؤل هنا أقل شبهًا بالشعارات وأكثر شبهًا بعادة يومية.
ولأنني أعمل في الإعلام، فقد مرّت أمامي خلال هذه السنوات أخبار العالم بأزماته وحروبه وتحولاته واضطراباته، وكنت كلما انتهت نشرة ثقيلة أو يوم إخباري قاسٍ، وعدتُ إلى منزلي، أشعر بمعنى ربما لا يظهر في نشرات الأخبار.
نعمة أن تعيش في دولة تعرف ماذا تريد، وإلى أين تتجه، وكيف تحمي استقرارها من ضجيج عالم لا يكف عن إنتاج المفاجآت.

أما شعب دولة الإمارات، فله في هذه الحكاية مكان لا يجوز أن يمر عليه القلم سريعًا.
ثماني سنوات كانت كافية لأعرف أن الكرم هنا ليس صورة تراثية معلقة على جدار.
في المجالس، وفي العمل، وفي الشارع، وفي أبسط اللقاءات العابرة، ثمة إرث واضح من احترام الضيف واحتضانه والاعتزاز بالهوية.
وربما لهذا السبب تحديدًا تبدو الإمارات أكبر من مساحتها على الخريطة، لأن الدول لا تُقاس دائمًا بالكيلومترات، بل بمقدار المساحة التي تحتلها في ذاكرة من عاش فيها.

واليوم، حين أسأل نفسي: ماذا أخذت من هذه السنوات الثماني؟ أكتشف أن السؤال ناقص.
الأصح أن أسأل: ماذا أعادت الإمارات إليّ؟

أعادت إليّ الثقة بأن الإدارة الجيدة قادرة على تغيير حياة الناس وأعادت إليّ شيئًا من الطمأنينة التي يستهلكها الاغتراب، ومنحت ابني فرصة أن يكبر في بيئة يرى فيها عشرات الجنسيات والثقافات، فلا يتعلم الخوف من الاختلاف، بل يتعلم التعايش معه.

أعادت إليّ، قبل كل ذلك، يقينًا بسيطًا شديد الأهمية يقول إن الإنسان يستطيع أن يحب أرضًا لم يولد فوقها، لأن المحبة ليست دائمًا مسألة ميلاد، أحيانًا تكون مسألة كرامة وتجربة ووفاء.

أكتب شهادة ثماني سنوات كما عشتها، بما فيها من أيام سهلة وأخرى صعبة، من نجاحات شخصية وخيبات، من ضحكات وقلق وسفر وعودة وعمل وتعب.
وفي كل تلك التفاصيل بقي شيء واحد ثابتًا .. أنني كنت أعيش فوق أرض أعرف أنها، بعد الله، تصون من عليها.

أنا لا أعرف كم سنة أخرى سيكتبها العمر لي في دولة الإمارات، ولا أين يمكن أن تحملني المهنة والأيام مستقبلًا، لكنني أعرف يقينًا أن ثماني سنوات منها أصبحت جزءًا نهائيًا من تكويني؛ لا تمحوها مسافة، ولا يسقطها تبدّل عنوان.

سيظل لبنان بلدي الأول، ذلك الذي أحمله في الصوت والذاكرة والحنين، وستظل الإمارات البلد الذي علّمني أن القلب لا يخون وطنًا حين يحب وطنًا آخر، بل يصبح أكثر اتساعًا.

وحين يأتي يوم أغادر فيه أبوظبي، لسفر عابر أو لقدر أبعد، سألتفت إليها بالطريقة نفسها التي يلتفت بها الإنسان إلى بيت أطفأ عنه الخوف مرات كثيرة، وأقول في سري ما قلته مرارًا طوال هذه السنوات.

سأقول.. هذه دولة لم تمنحني إقامةً لثماني سنوات فحسب، بل منحتني ثماني سنوات من العمر وأنا مطمئن على من أحب.
ومن يعرف قيمة الطمأنينة في هذا الزمن، يعرف أن بعض الديون الجميلة لا تُسدَّد، وإنما تُروى.

ولهذا كتبت !


tags: