بالمبدأ من الواجب توجيه الإتهام لهم وإرسالهم إلى المحاكمة مع متولي نعمتهم رياض سلامة، الذي أغرقهم ب”المكرمات”! لكن في زمن تغييب العدالة والقانون و”الإجازة” المفتوحة التي يعيشها القضاء، فإن شجب البيان الذي أصدره نواب حاكم المصرف المركزي خطوة ضرورية لكنها غير كافية! ينبغي التصويب جيداً على الجهة السياسية التي دفعت إلى إصدار بيان التهديد بالإستقالة، والتي لم تتأخر عن الإستثمار بهذا التهديد، لضمان الفترة ما بعد 31 تموز، موعد خروج سلامة من الحاكمية، فما يشغل هذه الجهة هو بقاء أبواب مغارة المصرف المركزي وأسراره السوداء بعيدة عن الأعين، وضمان إستمرار سياسة الإستباحة المالية والنقدية!
الثنائي نبيه بري ونجيب ميقاتي لديهما الخبر اليقين. كان سعر صرف الدولار 4 آلاف ليرة يوم رفض بري إقالة سلامة لأن السعر سيصبح 20 ألفاً.. والحصيلة سعر الصرف 90 ألفاً، وهو عند هذا السعر لأنهم يبددون المتبقي من الودائع في سوق النخاسة دجلاً ونفاقاً لخدمة مخطط إثراء غير مشروع يطال المحظوظين! أما النجيب فهو صاحب القول المأثور: ما فيك تغيير الضابط أثناء المعركة فدمر البلد وحياة الناس لكنه ومن هم أمثاله إزدادوا ثراء!
الثنائي ومعهما الجهات التي يمثلون مصالحها يعملون دون كلل ويتجاهلان الحكمة الشهيرة بأن “دوام الحال من المحال”، فناقشا إقتراح سلامة التمديد لشخصه مدة سنتين في الحاكمية، فإصطدموا بحتمية تعديل قانون النقد والتسليف والأمر غير متاح وسيكون من المتعذر تمريره. كلاهما على قناعة أن تمديد ولاية سلامة فترة كاملة 6 سنوات قد يكون الحل بالنسبة لتركيبة الفساد، إن تعذر تعيين حاكم جديد. وتعيين هذا الحاكم أولوية وينظر الثنائي بإيجابية بعد صلات أولية بالكتل النيابية وقد إستوقف الجميع قول رئيس القوات من أن “الضرورات تجيز المحظورات”!
من المؤكد أن البحث يتناول صفقة سياسية من وجهين: اما تعيين حاكم جديد يمتلك المواصفات التي تراعي ضمان مصالح جهات التعيين، وإما التمديد القسري لسلامة الذي “سلّف” الجميع في تركيبة نظام المحاصصة الغنائمي والطائفي المقيت! والأرجح أن التمديد سيتقدم مع بدء الترويج أنه تمديد تقني يخدم “المصلحة العليا للدولة”! الضحك ممنوع! وبهذا السياق ينظر لبيان رباعي المصرف المركزي وما تضمنه من تهديد بالإستقالة، وينظر إلى دور وسيم منصوري الذي إلتزم “رغبة مرجعيته السياسية” فرفض أن يشغل مؤقتاً مركز الحاكمية!
الأمر اللافت أن كل ما يدور ينطلق من مسلمة أن الشغور في الرئاسة مفتوح. والفراغ في السلطة سيتفاقم والهم الأساسي تطويق ما لدى الجهات القضائية الأوروبية من معطيات تتناول الطغمة السياسية المتسلبطة على لبنان، وما يتردد عن معلومات مفصلة عن المنهبة وتهريب الأموال، تتجاوز سلامة وعائلته و”صديقاته” إلى الكثير من أركان الطبقة السياسية!
تبقى ملاحظة أولى. رياض سلامة الذي بات إسمه مرادف للسمعة السيئة المهنية والأخلاقية والإنسانية، تطارده مذكرات التوقيف الدولية بتهم النهب والسطو والتزوير وتبييض الأمول، وقد تم تثبيت حجز ثرواته وأصوله في فرنسا وكل أوروبا، وتدعي عليه بالجرائم المالية عينها “هيئة القضايا” في وزارة العدل نيابة عن الدولة اللبنانية، هو الشخص الذي يعاد طرح إسمه لتمديد ولايته! وهو الشخص الذي لا يتوانى أزلامه من أبواقٍ إعلامية رخيصة إستباحة بيوت الناس بالتطبيل لمآثره فكم بلغت الأرقام الفلكية ل”مكرمات” هذا الفاسد من جيوب الناس! الحقيقة كلهم رياض سلامة، والأصح أنهم أشد خطورة على لبنان وأهله من فاسد فاجر فار من وجه العدالة حبيس المصرف المركزي!
أما الملاحظة الثانية، فعلينا كمواطنين اليوم قبل الغد التيقن أن خلاص البلد ممكن وبيد أهله إن إبتدعوا وسائل كفاحية منظمة للدفاع عن مصالحهم. من خرّب لن يعمر، ومن سرق لن يعيد المسروق، ومن نهب لا يمكن تبييض صفحته في أي مطهر، ومن إرتهن البلد ماضٍ في جريمته.. كسر الخلل الوطني في موازين القوى وما يفترضه من قيام “كتلة تاريخية” شعبية، هو ما سيقدم للبنانيين البديل، ويحيل كل التحالف المافياوي الميليشياوي لنظام المحاصصة إلى الحساب! لا حلول سريعة بل ممكن إختصار جلجلة اللبنانيين.