لن يشفع شيء لمسيحيي لبنان هذه المرة إضاعة فرصة الرئاسة! أخذوا كل الوقت عندما توافق غالبيتهم على ترشيح ميشال عون عام 2016 وأخذوا كل الوقت مُجددا وهم يبررون فعل الندامة ذلك الذي كلّف لبنان سنوات قاتمة مُعتمة مُفلسة حُبلى بكل عناوين البلاء الوطني والسيادي والسياسي والأمني والاقتصادي والاجتماعي.
حتى ترف الوقت ينتهي بالنسبة للمسيحيين! ليس لإيحاءات انطلاق عد عكسي فرضته زيارة البطريرك الماروني الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي إلى باريس ولقائه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الذي اطّلع من الراعي على اسم “مُتوافق عليه” مسيحيا وإنما لصرامة لهجة المعارك التي تملأ من خلالها القوى المسيحية الدُنيا متوعدة بالذهاب في المواجهات السياسية الى أقصى الحدود!
ولعلّ التصعيد المسيحي-الشيعي الذي انطلق قبل ساعات من خلال بيان رئيس مجلس النواب نبيه بري ردا على إشارة البطريرك الراعي الى “مسخرة” إبقاء المجلس النيابي مغلقا وتركيز بري في الوقت نفسه على فكرة “فتح المجلس للمرشحين الجديين” تكون مناسبة سانحة للقوى المسيحية المعارضة من أجل التحرك باتجاه بلوغ أهدافها السياسية رئاسيا.
بذلك تلقي لهجة المواجهة المسيحية عالية النبرة تلك بمسؤؤليات جمّة على عاتق أحزابها لا سيّما القوات اللبنانية التي لطالما اتهمت بهذا التسويف، القوات المطالبة بالدخول مباشرة في صلب الموضوع وتسمية الأشياء بأسمائها الأصلية والصحيحة تجنبا لأي تسوية خفيّة تفرض على القوى المسيحية لاحقا الانخراط فيها من حيث لا تدري فنضيع عهدا رئاسيا جديدا بالتبرير وخطابات الندامة!
التجربة السابقة ماثلة أمام القوى المسيحية، الوقت اضيق من أن يوصّفه أحد وبطريرك الكنيسة المارونية نفسه قرر فتح المعركة الدستورية … عوامل المعركة يٌفترض أنها اكتملت لانطلاق القوى المسيحية الى امتحاناتها الكبرى وأساسها أمتحان الوضوح.
إمتحان الوضوح يفرض على هذه القوى الإسراع في الكشف عن المرشح الرئاسي المتوافق عليه من باب توضيح المعركة فلا يجوز أن يكون المسيحيون عرّابي وصول وزير المال الأسبق جهاد أزعور رئيسا إذا ما تجاوزت حظوظه ثمانية وستين صوتا وفي ذات الوقت عرّابي وصول قائد الجيش العماد جوزيف عون إلى سدة الرئاسة الأولى إذا ما اختلطت الأوراق واحتاج المشهد الى اسم أكثر توافقية وعرّابي وصول رئيس تيار المردة الوزير والنائب السابق سليمان فرنجية اذا ما انقلبت الامور رأسا على عقب ونجح حزب الله بفرض ارادته مرة جديدة وأسهل الحجج هنا الخوف من انفلات الوضع الأمني وضياع الرئاسة من المسيحيين!
الوضوح أكبر امتحان حاليا أمام القوى المسيحية التي تبدو هذه المرة أم الصبي بكل ما للكلمة من معنى نظرا الى انحصار المواجهة السياسية لاول مرة منذ عقود بينها وبين القوى السياسية الشيعية الممسكة بالمشهد اللبناني بهذا الشكل الفج والواضح إلى جانب تراجع ولربما انعدام التدخل السني مباشرة بالاستحقاق في ظل مواصلة الرئيس سعد الحريري ابتعاده عن الحياة السياسية وبذلك لا يبقى على أرض المعركة الرئاسية سوى المعنيين بها مباشرة في مقابل قوى سياسية تريد أن تفوت عليه وعلى لبنان فرصة جيّدة لاعادة الانطلاق الى ضفاف الحلول واعادة البلاد على الخارطة العربية والاقليمية.
إمتحان الوضوح هو الأساس، فالمسيحيون سيُساءلون هذه المرة بشكل أعمق وأدق من الاستحقاق الرئاسي الماضي الذي جرى اغراق تبريرات التورط به في مغطس توزيع الخسائر!