لا يمكن للّبنانيين بعد مرور ١٥ سنة على الذكرى، سوى الركون الى أقرب ورقة حاملين ذات الجرح وريشة التأريخ إيّاها، للكتابة عن يوم ماتت فيه كلُّ القيم، وماتت فيه المقاومة وارتمت جثةً على أرصفة العاصمة بيروت، تبعث روائح الغدر والقمع التي ما تزال حتى يومنا هذا تذكّر كل من يهمه الأمر بالويل والثبور وعظائم الأمور إذا ما تجرأ على سلاح سقط في أول اختبار، وبدا في لحظة الحقيقة كم كان واهنًا أمام كلمة حق!
لا يمكن للّبنانيين استجماع ذكريات يوم جلد عاصمتهم، إلا من أصوات الرصاص الطائش والصائب، ودوي القذائف الصاروخية، وشظايا الزجاج المنثور وصرخات الاطفال والنساء الذين هُجروا تحت عواصف حقد “الشريك” من حي الى حي للاحتماء من موت مر، لم يُصرف برصاصة غدر، ولم يُدفن مع الشهداء الذين استهدفوا حتى في توابيتهم وهم في طريق التشييع!!
لا يمكن للّبناني إلاّ أن يتلعثم وإلاّ أن تأسره غصة قاتلة عندما يتذكر أن هذا “الشريك” لم يكتفِ بالقمع والتنكيل وإذلال العاصمة فحسب، بل أطل مصنفًا فواتير الدم الغالي بين “شهداء وضحايا”، لكأن الشهيد سقط في وادي الجحير مثلا وليس في أحياء النويري والبسطا وبرج ابي حيدر والزيدانية والملا والطريق الجديدة وكورنيش المزرعة وغيرها من مناطق العاصمة بيروت، ولكأن الضحية عدوّ عند الحدود!!
هكذا أراد الشريك المسلّح تاريخ السابع من أيار، وهكذا يريده اللبنانيون اليوم برزنامتين، واحدة للذاكرة التي فاضت بصور القتل والدم والمجازر المصغرة، وواحدة للسياسية التي يحلو لهذا الشريك التذرع بها للتفنن في اطلاق تبريرات تحاول عبثًا تجميل المشهد الدموي الذي طبع هذا التاريخ الذي لا تزيله كل مساحيق التملّق، فيرد عليها اللبنانيون برزنامة سياسية تنتظر الاعتذار الواضح والصريح والشفاف من بيروت التي حضنت السلاح وأهله قبل أن يرتد عليها، ومن أهل بيروت الذين حموا المقامة برموش العيون!!
رزنامة الذاكرة منذ ١٥ سنة كل أيامها 7 ايار وإن بايقاعات مخففة ومسارح متقشفة، فمنذ ذلك التاريخ الأسود لا صوت علا على صوت السلاح في كل مرة استشعر الشريك المسلح بانكسارات تنتظره في المحطات الوطنية والاستحقاقات السياسية، فكانت صولات وجولات لهذا السلاح تعددت أسماؤها في حين بقي الهدف الإلغائي ثابتًا وأساسيًا في كل المعارك السياسية الفرعية غير الشريفة، التي لا تبدأ بصبيحة القمصان السود ولا تنتهي بمسلسل الاعتداءات المتكررة على الأبرياء في شوارع بيروت وصولا الى انسحاب هذا الأسلوب حتى على عمل وأداء هذا “الشريك” داخل الحكومات التي قام باختطافها على برهة من وهج سلاحه، متعاملا مع حلفائه وشركائه فيها بلغة الفرض وربما بلغة السلاح انّما باللباس الرسمي لا العسكري هذه المرة !!
أما الرزنامة السياسية، فلا تقل بدورها خطورة عن المشهدية الميليشياوية، فبدل أن يعمل الأداء السياسي للشريك المسلح على تخفيف ما فعله في الأمن ولعبة الشارع، جاء الأداء ترجمة حرفية لمفاهيم الشارع فكان لبنان الرسمي نموذجا عن جمهورية الموز، خارجيته ملحقة وأشبه بنشرة مخابراتية ، وحكومته لا تكتفي بتقصيرها وعجزها بل تنأى بنفسها حتى عن شعبها!
وحدها طرفة “الاستقرار الأمني” ساهمت في ترطيب المناخات الشوارعية والميليشياوية التي تعيشها البلاد منذ تاريخ 7 ايار 2008، ففي كل مرة كان ينجح شريكنا المسلح بقضم وخطف الاستحقاقات سرعان ما كان يبرر فعلته بحجة المحافظة على الاستقرار الأمني والحفاظ على التوازنات والصيغة، حتى بتنا أمام سرقة موصوفة لوطن حكومته مخطوفة وارادته مرهونة واستحقاقاته موزونة على مزاجية السلاح الشريف !!
عندما غاب الاعتذار، أصبحت كل ايامنا 7 أيار ، ومن ضروب الوقاحة اليوم أن الشريك المسلّح ارتضى لنفسه بعد ١٥ سنة أن يسخف الذكرى وأصلها جرح وطني نازف لم يندمل بعد !