كتب رئيس التحرير
شيئٌ ما يتغير في مشاعرنا..
بعثرة غريبة تعبثُ بحواسنا..
ودمارٌ كبير يعتري ذاكرتنا البصرية والسمعية..
والمسؤول عن كل هذا التداعي الكارثي الهدّام لإنسانيتنا هو العقدُ الذي اجترَّ محطاتٍ واستحقاقات حتى أصبحت ملوكة ومؤذية لشهادتنا بها وعليها.
العقد الراحل مرّر أمامنا صورا تُوصَف بأنها تاريخية وعالمية، غير أن تكرارها بالوتيرة المتسارعة والمجنونة أفقدها الوقع الحالي والحدثي على مستوى انشدادنا اليها.
صوت الحماسة ولهيب الانتظار باتا يحرقان اللحظات الى حد ترميدها بالكامل، حتى بتنا نستذكر التحضير للحظة وننسى حلولها لأن الوقعَ غدا باهتا بكل ما تعنيه الكلمة من معنى!
أنطلق من هذه القناعة، لأصفع نفسي بحقيقة أن لا شيء عاد يُبهر كما في السابق، والدليل لحظة عالمية كتنصيب الرئيس الأميركي.
للحظة من اللحظات استرقت النظر الى تعليقات معشر منصات التواصل والانصراف عن الشاشة بالكامل مضيفا الى الغاء الصوت جريمة كاملة بحق حشريتي الصحافية لمعايشة “هكذا لحظة عالمية”!!
كلّ الكوريغرافيا كانت منفّرة وكأنها وقفة ضرورية في واجب يجب أن يحصل وتنجح طقوسه أمام الناس، لولا بعض التفاصيل التي تثير الذاكرة فتنفجر بالصور الحية الارشيفية مشوّشة على الحدث “المهيمن على العالم”.
لم أرَ جو بايدن في التنصيب، ولم أطلب من محيطي الصمت للإصغاء الى ديباجة التنصيب ونص القسم كما عودتُ نفسي في كل محطة عالمية قدّر لي الله والزمن أن أعايشها.
كانت ملامح دونالد ترمب أكثر وضوحا على المنصّة ولكن بلمحات سريعة.
فيما باراك أوباما وركضته الشهيرة بين الملايين أوضح بكثير ونبضها يُفسد تحضيرات الكابيتول المتأنّقة!
أما تأثر جورج بوش ونظراته الحالمة كانت الأشدّ ثباتا في شريط العرض الافتراضي الذي مرّ أمامي وانشددت اليه عوضا عن شاشة الحدث المباشر!!
أجدُ نفسي في زمن الواقعية والتفاعل منحازا الى الماضي بشكل كبير على اعتبار أن ناس الحاضر لا يشبهون زمن العزّ الذي تغزونا صوره الى اليوم ويجتاجنا أرشيفه ولا يُبقي مكانا لأي صورة جديدة تكمل مسار الذاكرة وترتيبها الزمني!
الصورة في ذاكرتنا هذه الأيام لا تكمل ساعاتها الأولى، تموت بفورية غريبة فيما ضجيج الماضي يبقى منبعا يصب النقد في كل تفصيل حدثي ومباشر!
نكدٌ لا يلائم الزمن الحالي، لكنّه يرمم الماضي ليبقى يطل علينا من نوافذ حكيمة في لحظة عالمية سريعة ومجنونة .