كتب رئيس التحرير – ثمّة في بلادنا وقاحة تفوق القدرة الانسانية على التحمّل، حيث تُثار المسائل السياسية وقضايا التحاصص وتتجرأ الطبقة السياسية الفاجرة على رسم سيناريوهات عودة الحياة الطبيعية متجاهلة جراح الناس المفتوحة منذ اكثر من شهرين على انفجار قلب العاصمة وتشظيه على طرقات وأرصفة ومباني المدينة المرمّدة بالكامل!
وقاحة تدل على أننا نعيش أيامًا بائسة، لا ينبغي للخواتيم بعدها سوى أن تُحصر ما بين خيارين اثنين: إمّا قيامة حقيقية أو تسليم الوطن لقُرطة المتاجرين بدمائنا وأرواحنا وأعصابنا. وإن كان اللبنانيون يئسوا بالأصل حديث القيامة المُجتر في كل مرة تتكدّس المصائب على مقدّرات الوطن المُتعب جراء مشوار الانتظار والصبر الذي لا ينتهي ولا يوصل الى ضفّة خلاص!
لا الصدمات الإيجابية أو السلبية عادت تنفع ليلتفت ساسة لبنان الى شعبهم، فصدمة المرفأ نتجت عن تفجير آلاف أطنان المواد المتفجرة وأدّت الى تدمير أجزاء واسعة من العاصمة وتشريد ستة آلاف عائلة لبنانية ومقتل مئتي شاب وصبية من عمر الألم اللبناني المُعاصر والمكافح والصابر، ومع ذلك ليس في جعب الساسة سوى خطط التحايل على مشاعر المكلومين والهروب الى الأمام لتكريس قضايا وملفات تشغل الأم عن شمشة دماء متبقية على ملابس ابنها الشهيد، وتُنسي الأطفال أبيهم المحترق بنيران التفجير، وتوقف حزن شباب لبنان على أصدقائهم الذين قضوا ظلما وهو ينهون يومًا صيفيًا لاهبًا وينتهون معه أسماء جديدة تُضاف الى قائمة شهداء الجحيم اللبناني!
مشكلتنا دومًا تفويت الفرص، ويوم ترحل الفرصة نغدو ندّابي أطلالاً كادت تكون مسارح انتقامنا ردًا على مسارح جرائمهم الكثيرة والعديدة والتي تتخذ من ذاكرتنا وعقولنا كلّ مأخذ. بكلام آخر وأوضح كان على تلك المشانق التي علقت “فخريًا” في ساحات بيروت أن تكون واقعية ولو لمرة واحدة من أجل أن لا يكون الدم بخسا الى هذا الحد بعد اليوم!
فاتورة الرابع من آب كانت أغلى ما يمكن دفعه وتقديمه على مذبح وطن يأخذ أرواحنا ولا يعطينا قصاصة تحتوي على اسم القاتل أو المقصر أو الممول أو المسهل أو الداعم لمشروع موتنا المستدام والممتد الى ما شاء الله في ظل عدم القدرة على تثبيت مساحة وطنية لنقطة تحوّل تنقلنا من هذا الحجيم السياسي والمعنوي والمالي والاقتصادي والإنمائي المُعاش إلى ظرف وطني آخر يتعامل مع كرامتنا الانسانية كواقع طبيعي!
واعتبارًا من هذه الفاتورة الملطّخة بأشرف دماء على الاطلاق، كان على عقارب الزمن اللبناني أن تتوقف تمامًا كقارب الساعة السادسة وثماني دقائق التي أرخت لمجزرة العصر. فلا يتحرك ملف قبل ملف أرواحنا ولا تُثار قضية قبل قضية إنسانياتنا!
ممّا يؤسف له، أن المطلوب المنطقي والعقلاني والصحيح بات عندنا أحلامًا لا تتحقق وإن في حِمأة الدم والموت المجاني والاستشهاد في ميادين الفقر والجوع والإذلال وكلّ صنوف مشاعر الحزن والألم !
نحن نعيش أيامًا بائسة للغاية، فتمرير الزمن لمجزرة بهذا الحجم سيمرر مجازر أكبر وأخطر آتية علينا، وعندها بكلّ أسف لن تكون الردود أكثر من نوبات حزن مؤقتة ستنتهي هي الأخرى وترحل كما رحل مئتا لبناني ذاتَ مساء بيروتي موجع ومفجع!
بعد أكثر من شهرين على مجزرة المرفأ، علقت صورة التفجير في أذهاننا وذاكرتنا وضمائرنا لكن اسم القاتل لم يعلق في مسامعنا بعد!
مشهدية قادرة في علم التاريخ اللبناني المزوَّر على أخذنا إلى مسار يشبه ذات التسويف الحالي وإن في اطار من البهرجة!
فنحن وببساطة، لا نريد رؤية صور التفجير في أعرق المتاحف أو المعارض بعد حفنة من السنوات، مُعايشتنا المُرعبة له قادرة على روايته لكل العالم.
أطفالنا، أحزاننا، غربتنا، فقرنا، جوعنا .. كلّهم يستصرخوننا كتابة نهاية لهذه الأيام البائسة!