“أنا جوعان” قال متظاهر، فجاء الرد من رجل الأمن المكلف فتح الطريق: “أنا جوعان أكتر منك”! الطرقات التي قطعت ليلا في أكثر من منطقة احتجاجاً على تردي الوضع المعيشي ومحاصرة الجوع عشرات ألوف الأسر، ما زال بعضها مقطوعاً في ساعات الصباح، والمؤكد أن التحرك قرع جرس إنذار، والساحات ستستعيد زخمها ووقعها بعد أيام في الأول من أيار، حيث يتجدد سحب الثقة من حكومة الأقنعة، ويتجدد التأكيد على مطلب التغيير السياسي والذهاب إلى مرحلة انتقالية تقودها حكومة مستقلة عن الأحزاب الطائفية، تكون قادرة على وضع إطار يمكن اللبنانيين من السير باتجاه تجاوز الانهيار وكذلك آثار الجائحة، بعدما ثبت بعد 97 يوماً على تأليف الحكومة أن لبنان في أخطر مرحلة من تاريخه تقوده حكومة العجز المطلق!
لن تقع المواجهة بين جائعين، فتورة تشرين التي مثلت كوة الضوء للخروج من النفق الذي زجّت به الطبقة السياسية البلد، تحمل هم كل الفئات وترفدها كل الشرائح والمناطق فالضرر الفادح أصاب أكثرية المواطنين فيما كل الفريق السياسي سواء من هو في مقاعد الحكم الوثيرة أو خارج جنته، آخر همومهم المصالح الحياتية والصحية للمواطنين. الأدلة لا تعد ولا تحصى، من جلسات التشريع النيابية وأولوياتها، إلى أولويات الحكومة – الواجهة العاجزة عن تقديم أي رؤيا أو خطة لمشروع إنقاذي، إلى ثنائي الحكم، حزب الله والتيار العوني، الساعي أبداً لاستكمال انقلاب فوقي في التركيبة برز ذلك في تكليف دياب الهجوم غير المسبوق على “الحاكم بأمرهم” رياض سلامة!
لا تناقش حجم مسؤولية المصرف المركزي وحاكمه، ولا بديل عن المحاسبة والشفافية ومعه كل الكارتل المصرفي الذي أخل بالأمانة فأهدر أموال المودعين بعد السطو الرسمي على المال العام. لكن ذلك لا يجب أن يحجب مسؤولية كل الطبقة السياسية لأنها وحدها الجهة المسؤولة عن برمجة المنهبة التي أوصلت إلى الانهيار. فسادهم كان مشرعاً بقوانين عشرات الموازنات وعشرات المشاريع التي رتبت الديون وفي نهج اتبع منذ 12 سنة في الكهرباء وسياسة السدود ونجم عنه نحو 50% من الدين العام..ولا يمكن إغفال مسؤولية حكومة الأقنعة التي عشية المئة يوم على التأليف، لم تتخذ اي تدبير أوإجراء وتركت الانهيار يتسارع والدولار يطير والرواتب تتآكل والمدخرات تتبخر والأسعار ترتفع أكثر من 100%!!
لم تنته المواجهة على موقع الحاكم بل تأجلت لأكثر من سبب: من جهة تم تكليف جهات دولية للتدقيق في حسابات المصرف المركزي ما يعني أنه بانتظار الانتهاء أي بعد فترة قد تصل إلى 6 أشهر يكون القرار، (بالمناسبة تدور شبهات حول شركتين من أصل ثلاثة عن الأداء في البرازيل وفي إيرلندا)،أو للخشية من التداعيات الأكبر فالرئيس بري يتحدث عن احتمال قفز سعر الصرف إلى نحوٍ من 15 ألف ليرة !! لكن بعض العارفين يعيدون إلى الأذهان قصة ابرهيم بيدس رئيس بنك انترا والدفتر الذي كان بحوزته بالأسماء والأرقام والهدايا والمناسبات، ويقولون أن “أمين المال” يملك مجلدات تم نقلها إلى الخارج تتضمن التفاصيل المملة عن 26 سنة، وفيها ما يهدد مكانة الكثير من الرؤوس المعروفة وغير المعروفة، وهذا جانب تعول الثورة على معرفة تفاصيله في سعيها لفرض انتقال في السلطة.. لكن لا يعول الآن على رد سلامة المتوقع الاربعاء، لأن كل طرف قرأ ما حدث، وكل الطبقة السياسية منكبة على تقييم الأرباح والخسائر! هنا أفتح مزدوجين للإشارة أن المصادر العليمة تقول أن كل عمليات “أمين المال” مغطاة قانونياً. صحيح تلكأت احكومة الحريري وحكومة دياب عن تحمل مسؤولية تعيين نواب الحاكم وهم أعضاء المجلس المركزي لمصرف لبنان لكن هناك آخرين بصموا على كل شيء وهم : مفوض الحكومة لدى مصرف لبنان ومدير عام وزارة المالية ومدير عام وزارة الاقتصاد!!
بالتزامن تبدأ اليوم خطة تخفيف التعبئة تدريجياً وهذا الأمر مطلب الناس، لأن إعادة عجلة الانتاج لبعض القطاعات أكثر من ضرورة والاحتياجات تزايدت لدى المواطنين وخصوصاً لدى المياومين، ولا بديل عن ذلك، لكن ما يثير القلق أن هذه الخطوة لم ترفق بإجراءات وقائية جدية. السلطة حتى تاريخه تضع توقعات واكتفت بتوجهات عامة، ولا يبدو أن هناك أي استفادة من تجارب الآخرين، كما أنها لم ترفع من نسبة الفحوصات كما ينبغي، والحد المقبول هو خمسة آلاف فحص يومي لتكوين صورة تسمح بوضع استرتيجية جادة، يضاف إلى ذلك خطورة ما يمكن أن يتأنى عن الاختلاط، ثم ما نبهت إليه منظمة الصحة العالمية التي قالت أنه لا توجد بعد إثباتات على أن الذين أصيبوا بالفيروس باتت لديهم مناعة معتبرة. وقد تبين أن 116 شخصاً في كوريا أصيبوا ثانية بعدما كانوا قد تعافوا من الفيروس! اليوم كثر من الأطباء يحذرون من الارتجال والكف عن التباهي والزعم بوجود ثناء دولي على أداء الحكومة بالله عليكم أين هو هذا الثناء؟
وكلن يعني كلن