مع تسارع وتيرة الانهيار اللبناني على كل المستويات المالية والاقتصادية والسياسية واصل لقاء تشرين اضاءاته على تردي الأوضاع عبر بيان جديد توقف فيه عند التدهور المالي وسياسات المصارف متطرقة كذلك الى خطاب رئيس الحكومة حسان دياب وما حمله من اشارات تهرب من المسؤولية الوطنية حيال تطورات المشهد الداخلي الى جانب أجواء جلسات الأونيسكو التي لم تقارب أي شيء يخص الألم اللبنانيي المفتوح.
بيان لقاء تشرين لفت في هذا الوقت الى ضرورة استعادة الشارع السلمي مؤكدا على مطالب ثورة 17 تشرين وابرزها انتاج سلطة جديدة لمواكبة الظروف الاستثنائية.
وفيما يلي نص البيان:
بعد خروج اللبنانيين إلى الساحات محملين الطبقة السياسية المسؤولية عن النهب والإفقار الذي وضع المواطنين على حافة المجاعة، وبعد خطاب رئيس الحكومة يوم الجمعة الماضي، والردود عليه، نقلت المواجهة بين مكونات الطبقة السياسية والمالية، الممثلة في الحكومة والمستبعدة عنها، الى مستوى جديد عنوانه المباشر حاكمية مصرف لبنان. الا انه يخفي خلفه صراع أعمق على السلطة في مجملها، وصراعًا على نمط الخيارات والسياسيات المالية والاقتصادية المستقبلية، وما تحمله من تكريس للتموضع الإقليمي في السياسة الخارجية وتمدده الى الاقتصاد والمال هذه المرة.
ان لقاء تشرين يعتبر ان مطالب الناس والمواطنين التي عبرت عنها ثورة 17 تشرين تقع في مستوى آخر ولا علاقة لها بخلق توازنات سلطوية جديدة، أو باستعادة توازنات سابقة باتت مستحيلة. ومعركة الثورة هي من اجل إعادة تشكيل مؤسسات السلطة كاملة، بما في ذلك السياسة المالية ودور مصرف لبنان وحاكمه الذي لعب بالشراكة مع المصارف دورًا أساسيًا ومباشرًا في الازمة المالية والنقدية الحالية، ولا يزال. الا ان اللقاء يرى ان الصراع الأساسي الذي يدور اليوم، بما في ذلك بين مكونات الطبقة السياسية نفسها، ليس صراعًا على الماضي، ولا تصفية لحسابات سابقة بل هو في الأساس صراع على المستقبل.
إن خطاب رئيس الحكومة الشعبوي والتهديدي هو هروب من تحمل المسؤولية، واعلان صريح عن فشل الحكومة في مواجهة الأعباء المترتبة عن إفلاس البلد، ما سرّع من حجم الانهيار المالي والاقتصادي، فطار سعر صرف الدولار وبلغ عتبة 4000 آلاف ليرة واتسع تآكل الرواتب وارتفع الغلاء أكثر من 100%، ما أخرج المحجورين في احتجاجات تنذر بالفوضى.
وفي خلفية الأداء الحكومي أداء متراجع للمجلس النيابي لا يمكن اغفاله، عبّرت عنه الجلسة التشريعية الأخيرة. بجدول اعمال لم يتضمن أي نقاش سياسي او مالي او اقتصادي او اجتماعي رغم الازمة؛ ولم يتضمن مشاريع او اقتراحات قوانين تتعامل مع جوانب الازمة بما يتوافق مع عمقها، ما عدا اقتراحات ثانوية او جزئية، وسط مبارزات كلامية شكلية. كما كشفت الجلسة عن توتر في العلاقة بين رئاسة المجلس والحكومة، بما يشير الى التصدع القائم داخل الحكومة نفسها، وبين القوى الداعمة لها. ويعتبر اللقاء ان مجلس النواب شريك كامل للحكومة ولرئاسة الجمهورية في الازمة واستمرارها.
إن غضب الناس الذي يتصاعد امرًا مشروعًا تمامًا امام انهيار سعر الصرف، والغلاء، واستمرار المصارف في احتجاز أموال اللبنانيين، وذلك من شأنه التشجيع على العنف بكل اشكاله. لكن لا يسعنا الا التحذير من مغبة الانزلاق الى الفوضى الذي تشجع عليه الخطابات والممارسات التحريضية وغير القانونية، كما العجز المستمر عن تقديم الحلول والخطط، وما شهدناه أخيرًا من تفجيرات -مخابراتية على الأرجح- امام بعض الفروع لحرف الثورة عن مسارها السلمي لهو مثال على هذه الفوضى.
ان استعادة نمط الانقسام كما احياء النظام السابق أمران لا يمكن القبول بهما. كما ان حصر المدخل لمعالجة الازمة تحت شعارات شعبوية وتبسيطية لمكافحة الفساد، ومحاكمة الفاسدين امام القضاء -كما ينبؤنا بذلك جدول اعمال جلسة مجلس الوزراء يوم غد الثلاثاء- لا يمكن ان يحل محل وجود استراتيجية شاملة للإصلاح السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي، لا تختزل في اجراء معزول غير قابل للتنفيذ أصلا مع استمرار السلطة الحالية.
يشدد لقاء تشرين ان الخروج من الازمة الراهنة وسلوك طريق الاصلاح يكمن في استعادة دور المواطنين في الشارع السلمي وفق شعار سياسي موحد هو إعادة انتاج السلطة وفق مرحلة انتقالية منظمة ومن خلال آليات سياسية ودستورية تعتمد عادة في مثل هذه الظروف.