1. Home
  2. زوايا
  3. رمضان…. يا شهر مخزون السرائر
رمضان…. يا شهر مخزون السرائر

رمضان…. يا شهر مخزون السرائر

23
0

كتبت همسات بيروت – مناجاة الأرواح أنت يا شهر قرآننا الكريم
ها هو موكبك الجليل يتقدّم بمهابة ووقار ويشقّ طريقك إلى قلوب العارفين بإجلال وتعظيم، وينشر ومض سناك في نفوس عشاقك الصائمين هالات إيمان ويقين، ويقلّد نحر البسيطة عقد درّ حبّاته لآلئ من ذخر طهرك المكنون بحلّتك الخاشعة تحلّ عليها ضيفاً عزيزاً نيّراً، فتغلّفها بطيب أنفاس القنوت تتنشّقه ذكراً ودعاءً وسجوداً لينبلج من قدومك القدسي وهج ضياء الرحمة ويتزنّر وسطك الروحاني ثمين حرير المغفرة ويتكلّل رحيلك النوراني بتاج وداع عقيقه الموعود عتق منج من النار… فأنت أبداً للعباد الكفّة الرّاجحة في الميزان يوم عرضهم على الديّان.

من غرفة الإعتراف الطفولي وعند مجيئ شهرك رمضان تتسرّب نسائم ذكريات هائمة من شقوق جدرانها النائمة، فتتفجّر أوديتها المعطاءة سيلاً تروي خصب سهولها زبداً لتفصح عن بعض خباياها.
أقنعني عقلي البريئ وأنا طفلة يا شهري الفضيل وعندما كان الجوع يدغدغ خاطري أنّ كسرة من الخبز المحمّص لا تُفسد الصيام عكسها إن كانت طريّة، وها أنا أدور في فلك أمّي أعرض عليها المساعدة حصراً بتفتيت الخبز المُرام وما أن تحين الفرصة لاقتناص تلك الكسرة إذ بسهام نظراتها تخرق يدي، فتتسمّر في منتصف طريقها ويغزو الدم وجهي ليتحوّل عقلي البريئ عندها إلى رشيد فأتظاهر بأنّي أتفحصّها ثم أضعها بهدوء لتركن مطمئنّة مع رفيقاتها وأراني أنسحب بانكسار لأبدو دوماً صامدةً ودوماً في انتظار الإفطار.

وكنت أخال يا شهري الكريم بأنّ مسحّرك ذاك فارس مغوار يمتطي جواده الهدّار، ويحمل سيفه البتّار يقطع به الأحياء والقفار يقدح بشرره الأبصار ويحيل العتمة إلى أنوار؛ إلاّ أنّه وفي غفلة من عين ليله الوضّاء ألحّ عليّ فضولي الطفولي كشف هويّته ويا للعجب، لم أر من يُشبه عنترة بل رجلاً عاديّاً نحيلاً يحمل طبلاً ينقرها بعصا دقيقة يصحبها صوت شجيّ يُؤنس وحدة ليلها يدعو النيام القيام لربّ الأنام فتتعانق دعوات الأرض بتهاليل السماء وتتعطّر استغفاراً أفواه الأرجاء وتتجلّى من مدى مآذنها وصدى منازلها آيات خالقها، فتُمطر بركاتها ضياء وتغدق قرباتها جزاء فلا ترى ليلاً بل قل منارات روحيّة تشعّ مواكبها في جنّات أرضيّة وينقر ثانية، فتستيقظ الأحياء العطشى لعظيم شهرها تتمطّى بصلبها وتتثاءب دلعاً من غفوتها، فيسري النبض في عروقها فتتموّج ذهباً شوارعها وتتأجّج لهباً مخابزها وتنبعث عيون الأضواء من شرفات مساكنها، وتصحو المطابخ من كبوة سهوتها فتتفتّح أجفانها وتستعيد زهوة عافيتها ورفعة منزلتها لتتهادى أطباقها غنجاً على سفرتها وكأنّ شدوه الرنّان أحيا في الأرض بركة سحورها وجعلها دفقاً من أنس الزمان الهائم في طاعة الرحمن.

وكبرنا يا خير شهورنا ولا ندري ما كبر فينا، بل ما كنّا لندري أنا ما عشناه من عمر طفولة أمين ستمتدّ جذوره حنيناّ تربة صدورنا حتى هرم السنين. فأحلامنا التائهة تجترّها بشراهة أيّامنا المُثخنة دماؤها لتحطّ رحالها في جمار مواقد أحداثها الحارقة وتُحيلها ركماً من أوهام.
فنحن مشتاقون إلى اليسر، إلى الشمل، إلى السلام، إلى الوطن، إلى العدل، إلى الإقدام….

فاللّهم بحقّ شهرك هذا الميمون يا من لا تراه العيون ولا تخالطه الظنون ولا يصفه الواصفون….
ونحن عبادك الضعفاء نرفع أكفّنا تضرّعاً إليك بالدعاء
فسلاحنا ليس إلًا البكاء…. ورأسمالنا ليس إلًا الرّجاء
فقد ضاقت علينا الأسباب وغُلقت دوننا الأبواب
وها نحن على باب إحسانك واقفون ولجميل عفوك راجون
فاجعلنا من أوفر عبادك نصيباً في هذا الشهر من كل خير تبسطه ومن كل نور تُرسله ومن كل رزق تقسمه
واكفنا فيه ما أغمّنا وأهمّنا سويّة
يا من هو دائم الفضل على البريّة…. يا باسط اليدين بالعطيّة… إقض حاجتنا في هذه العشيّة
وأعده ليكن منجاةً للبشريّة وامنحنا من جودك رحمةً تغمرنا بها نديّة وعيشةً تُكرمنا بها هنيّةً.


tags: