يعيش لبنان أياماً دقيقة ومفصليّة في ظلّ أزمات متلاحقة ألحقت خسائر فادحة في قطاعاته الحيوية كافة التي دفعت ضريبة تردّي الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والمالية في مرحلة هي الأسوأ في تاريخه بعد أن توقفت عجلة النشاط والنمو الاقتصادي عن الحركة والدوران. ومع تفاقم الانكماش الاقتصادي وتراجع الناتج المحلي الاجمالي وارتفاع معدلات الفقر والبطالة، تعكس المؤشرات مدى تأثير الأزمة السلبي على أداء هذه القطاعات لا سيما القطاع الخاص حيث أظهر مؤشر مدراء المشتريات BLOM PMI استمرار التراجع في النشاط الاقتصادي لشركات القطاع الخاص بسبب انعدام الاستقرار في لبنان، مسجّلاً أدنى مستوى له عند الـ 46.1 نقطة في تشرين الثاني 2021 مقارنة بـ 46.3 نقطة في آب الماضي، في أدنى قراءة له منذ تسعة أشهر؛ رغم أنّها جاءت متماشية مع المتوسط التاريخي للمسح. وفي تفاصيل النتائج التي توصّل إليها المؤشر، ذكرت الشركات التي شاركت في المسح بأنَّ استمرار تآكل القوة الشرائية للعملاء المحليين أثّر إلى حد كبير على الطلبيّات الجديدة خلال تشرين الثاني 2021، بحيث انخفض حجم هذه الطلبيّات بأسرع معدّل له منذ شباط 2021.
وبحسب الشركات، فإنَّ الانخفاض الحاد لطلبيّات التصدير الجديدة يُعزى إلى انعدام الاستقرار الاقتصادي والسياسي في لبنان. ونتيجة لذلك، انخفض مؤشر الإنتاج لدى شركات القطاع الخاص اللبناني خلال تشرين الثاني 2021. هذا وتسارع معدّل انخفاض مؤشر الإنتاج مقارنة بشهر تشرين الأول حيث كان الأعلى منذ ثمانية أشهر. ومع انخفاض حجم الأعمال الجديدة، أشارت بيانات المسح للشهر ذاته إلى تخفيف الضغوط على القدرة الإنتاجية لشركات القطاع الخاص اللبناني، حيث اتضح ذلك في انخفاض كميات الأعمال غير المنجزة لدى شركات القطاع الخاص اللبناني في تشرين الثاني 2021، ولكن وتيرة الانخفاض كانت أبطأ. كما دفع الشركات اللبنانية نتيجة غياب الضغط على الطلب إلى تخفيض أعداد موظفيها، فكان معدّل تخفيض أعداد الموظفين هو الأعلى منذ ثلاثة أشهر ولكنه ظلَّ معتدلاً بوجه عام. وفي ضوء ذلك، سجّلت شركات القطاع الخاص اللبناني ارتفاعاً في إجمالي أسعار مستلزمات الإنتاج خلال تشرين الثاني 2021 مع تقديم تقارير تفيد بانخفاض سعر صرف الليرة اللبناني مقابل العملات الأخرى، وخصوصاً الدولار الأميركي.
من جهة أخرى، رفعت الشركات اللبنانية أسعار البيع تلبيةً لارتفاع أعباء التكلفة وسعياً إلى الحفاظ على هوامشها الربحية، في حين سجّل معدّل تضخم أسعار الإنتاج مستويات مرتفعة هي الأعلى له في ثلاثة أشهر. كذلك، أفادت التقارير بأنَّ ارتفاع أسعار الشراء دفع بعض الشركات اللبنانية إلى تخفيض مشترياتها من مستلزمات الإنتاج في تشرين الثاني 2021 بسبب مشاكل نقص السيولة وضعف الطلب. وعلى الرغم من تخفيض الأنشطة الشرائية، فقد شهد أداء الموردين تراجعاً إضافياً في تشرين الثاني 2021 وبمعدل أعلى مقارنة بشهر تشرين الأول 2021.
وأخيراً، بقيت شركات القطاع الخاص اللبناني متشائمة للغاية إزاء مستقبل الأعمال خلال الاثني عشر شهراً المقبلة وتوقعت الكثير من الشركات أن يؤدي انعدام الاستقرار الاقتصادي والسياسي إلى خلق تحديات إضافية للشركات اللبنانية.
أوصل الانهيار الاقتصادي مختلف القطاعات اللبنانية إلى حافة السقوط التام وأصبح الكثير من المؤسسات والشركات في مهب الإغلاق والإفلاس، فالأزمة التي لا تنحصر تداعياتها على الجوانب الاقتصادية منها، تشتدّ حدّتها سوءاً نتيجة استمرار التجاذبات والصراعات السياسية، وحالة الجمود الحكومي وانعدام الخطط والحلول الانقاذية وعدم تحمّل المسؤولين لمسؤولياتهم. ولا يُخفى على أحد أنّ بقاء الوضع على هذا الحال من التأزّم قد يقضي على ما تبقى من المؤسسات الانتاجية التي باتت على رمقها الأخير، ومع تصدّع الاقتصاد اللبناني وتفشي الفساد والهدر والمحاصصة في القطاع العام وعدم قدرته على تفعيل دوره، لا بدّ من ضرورة دعم القطاع الخاص وتوفير احتياجاته وتأمين بيئة ملائمة للاستثمار فيه من أجل تعزيز فرص النهوض والنمو الاقتصادي.