1. Home
  2. لبنان
  3. مرحلة انتقالية لعبور تدريجي من الأزمة
مرحلة انتقالية لعبور تدريجي من الأزمة

مرحلة انتقالية لعبور تدريجي من الأزمة

35
0

مع تزايد حدّة الأزمات التي تضرب لبنان وضمن إطار الجهود المبذولة من أجل تقديم الدعم له، طرحت لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتماعيّة لغربي آسيا “الإسكوا” ورقتها الثانية المنبثقة عن الحوار الوطني الاقتصادي والاجتماعي بعنوان “الأزمة الاقتصادية والمالية والنقدية: خلاصات أولية ومقترحات للمعالجة” حيث سلّطت الضوء على المحور الاقتصادي المالي، باعتبار أنّه لا يمكن الوصول إلى حل مستدام للأزمة الاجتماعية من دون معالجة الأزمة المالية المصرفية النقدية، وإجراء الاصلاحات المؤسسية اللازمة لضمان حوكمة رشيدة وفعّالة وشفّافة. يأتي هذا الطرح استكمالاً للورقة الأولى الصادرة في آذار الماضي تحت عنوان “الآزمة الاجتماعية في لبنان – قضيّة الحماية الاجتماعية: خلاصات أولية ومقترحات للمعالجة” والتي تناولت المحور الاجتماعي في لبنان لا سيما التوجهات والمبادئ العامة للسياسات الاجتماعيّة كالحقوق التي يجب الحفاظ عليها، وآليات التنسيق والتكامل وتوحيد الخدمات، والمقاربات الملائمة لطبيعة الأزمة.

وقد تضمّنت الورقة عرضاً مفصّلاً لأبعاد الأزمة الاقتصادية، ومقترحات عمليّة لمعالجتها، حيث اقترحت للمرّة الأولى أن تكون هناك “مرحلة انتقاليّة” من أجل الخروج التدريجي من هذه الأزمة، محدّدة ملامحها وخطواتها على أن تشمل ثلاثة جوانب أساسيّة متكاملة مع بعضها البعض وهي الجانب السياسي، الجانب الاجتماعي والاقتصادي والمالي والنقدي، والجانب القانوني. وأشارت “الإسكوا” إلى الأزمة الماليّة الحادّة التي يشهدها لبنان والتي أدّت إلى تراجع جميع المؤشّرات الاقتصادية والاجتماعية في البلاد وتطرّقت إلى أسباب الواقع المتأزّم والتي تعود بشكل كبير إلى غياب إرادة الإصلاح السياسي وفشل منظومة الحوكمة وقصور السياسات الاقتصادية والاجتماعية والمالية وتجزؤها ما جعلها غير عادلة وغير مستدامة في ظل غياب الرؤية التنمويّة. كما لفتت أيضاً إلى المبادئ والمعايير والمواصفات التي يمكن أن يتم على أساسها وضع الخطط والسياسات من خلال تحديد واضح للمسؤوليات وتوزيع الخسائر وتحمّل الأعباء بشكل عادل من أجل ضمان نجاح هذه المرحلة الانتقالية .
وقد نتج عن حلقات الحوار المتعلّقة بالجانب الاقتصادي والمالي والنقدي للأزمة عدد من الخلاصات والاقتراحات، أبرز ما جاء فيها:
1- اعتبار المرحلة الانتقالية تدريجية مركبة وشاملة ومترابطة بالضرورة، وتشمل البعد السياسي والحوكمي والمؤسسي، إضافة إلى البعد الاقتصادي المالي المصرفي، والبعدين الاجتماعي والنفسي الاجتماعي.
2- إحترام مبادئ العدالة القانونية والاجتماعية الذي يمثل ركناً أساسياً في نجاح المرحلة الانتقالية للخروج من الأزمة، والمساهمة في إعادة بناء النظام المجتمعي، المجتمع والدولة، على أسس العدالة الاجتماعية، وإرساء حكم القانون، وتحقيق استقلاليّة القضاء، وقيام المؤسسات الفاعلة التي تتمتّع بالمشروعيّة وثقة المواطنين، لكي تؤمن استعادة الاستقرار واستدامته.
3- بناء رؤية مشتركة أو إتفاق مجتمعي عام، ضمن الأطر السياسية والمؤسساتية، وفي إطار التمثيل المجتمعي الصحيح لكل المكوّنات والفئات الاجتماعية والمناطق، يقوم على المبادئ العامة الموجّهة لنسق التنظيم الاقتصادي والاجتماعي والمؤسّسي، وعلى الأهداف التنموية المشتركة للبلاد.
4- بدء المرحلة الانتقالية بالاعتراف بالأخطاء والمسؤوليّات، وعلى ضوء ذلك يتم تحديد الخسائر بشكل واضح ومعلن، والإتفاق على تقاسم الأعباء بشكل عادل بين مختلف الأطراف والفئات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية.
5- إقرار القطاع المصرفي والمصرف المركزي والحكومة ومختلف الأطراف المعنية بالمسؤولية عن الأزمة الحالية، لأنّ ذلك يساعد في فهم العوامل التي أدت إلى التداعيات الراهنة، وفي التأسيس لمواجهتها وعدم تكرارها.
6- إعادة تفعيل المفاوضات مع صندوق النقد الدولي، من خلال بلورة رؤية ومشروع إصلاحيّين يراعيان المصالح الوطنية ومصالح الفقراء والطبقات الوسطى، وتشكيل وفد مفاوض كفوء وموحد وغير منحاز اجتماعياً للتوصّل إلى اتفاقات تكون أكثر فائدة للبنان ولشعبه.
7- إعادة هيكلة وإصلاح القطاع المصرفي وتعديل قانون النقد والتسليف على نحو يضمن استقلاليّة مصرف لبنان تجاه السلطة التنفيذية ضمن القانون واستقلاليّة الهيئات التابعة للمصرف وأعضائها بعيداً عن المحاصصة الحزبية، ويعزز منظومة الحوكمة والشفافية والرقابة والمساءلة الداخلية والخارجية لمصرف لبنان والمصارف التجارية.
8- إحداث تحول جذري في النموذج الاقتصادي المتّبع، من خلال زيادة فعّالية أجهزة الدولة والادارات الحكومية، ومعالجة الاقتصاد الريعي، ووضع مرتكزات التحوّل إلى اقتصاد منتج وتضميني ذي قدرات تنافسية محددة وفقاً لمعايير علمية.
9- وضع خطة واقعية للنهوض الاقتصادي ودعم القطاعات الانتاجية، رغم محدودية الامكانيات المتاحة، وبخاصة دعم الصناعة، لا سيما منها القائمة على المعرفة والمشغّلة للمهارات العالية، وتعزيز التكامل الأفقي بين القطاعات الصناعية والزراعية والسياحية والخدماتية، ووضع خطة وطنية للنقل العام، وتحفيز القطاعات الاستراتيجية ذات القدرة التنافسية والواعدة.
10- ضبط العجز في الموازنة عبر تحفيز الايرادات من خلال الإصلاح الضريبي، لاسيما بإقرار قانون للضريبة الموحدة والتصاعدية على الدخل، بشكل لا يؤدي إلى مضاعفات سلبية تعطّل تحقيق الأهداف على قاعدة العدالة، وعبر تحسين كفاءة الإنفاق، ووضع خطة لتحرير الاقتصاد من الدّولرة بشكل متدرّج ومستقر.
11- ضبط سعر صرف الليرة والعجز في الحساب الجاري.
12- ترشيد الإنفاق العام من خلال إصلاح كامل وشامل لقطاع الكهرباء والطاقة.
13- معالجة قضيّتي الفقر والعمالة، ووضع خطة شاملة لتحقيق التوازن بين أكلاف المعيشة ومستوى مداخيل المواطنين.
14- تطوير وبناء قطاع عام فعال وكفوء، وتعزيز قدرته على التدخل من خلال وضع سياسات عامة تراعي مبادئ التنمية والحقوق والتضمين وكافة مبادئ الحوكمة الرشيدة.
15- وضع وتنفيذ الخطط وإصدار التشريعات والآليّات التنفيذية الضرورية لإدارة المرحلة الانتقالية ولضمان الخروج من الأزمة وعدم تكرارها.

لا شكّ في أنّ لبنان يعاني من أسوأ أزمة اقتصاديّة في تاريخه، غير أنّه لا يمكن فصل تداعياتها الاجتماعية والمالية والنقدية عن المناخ السياسي المسيطر في البلد الذي يُفشل كل المحاولات الاصلاحيّة ويعيق مسار التعافي الاقتصادي ما ينعكس سلباً على المصلحة العامة وتقصيراً في تلبية احتياجات المواطنين الأساسية والمحقّة. من هنا، تتطلّب عمليّة النهوض الجديّة من هذا الإنهيار الشامل إرادة وإدارة سياسية واعية وقادرة على رسم خارطة طريق هادفة ووضع السياسات الاجتماعية والاقتصادية والمالية والنقديّة المرجوّة وإعادة كسب الثقة الداخلية والخارجية لمعالجة الأزمة والنجاح في العبور إلى مرحلة انتقالية تخرج البلد من أزمته وتُجدّد الأمل في بناء اقتصاد فعّال وتحقيق نمو اقتصادي وتنمية بشرية مستدامة وتُمهّد الطريق أمام استعادة لبنان عافيته.


tags: