يا أولاد الأفاعي؟ كيف تُرك حسان دياب يغادر فجر أمس مطار بيروت، وهو المدعى عليه بجناية “القصد الإحتمالي” بالقتل وجنحة “الإهمال” في جريمة تفجير المرفأ، وبحقه مذكرة إحضار إلى التحقيق أمام قاضي التحقيق العدلي طارق بيطار يوم ال20 من الجاري؟
صحيح أن فرار دياب، الرئيس السابق للحكومة، سيترك الصدى السلبي على مجريات التحقيق لجهة إعاقة إضافية لمهمة قاضي التحقيق العدلي. وسيترك الأثر السيء لبنانياً، لأن جريمة تفجير المرفأ ليست مسألة متعلقة فقط بأهل الضحايا وعشرات ألوف الجرحى وعشرات ألوف المتضررين، بل هي قضية وطنية جمعت تظاهرة مليونية يوم الرابع من آب، ذكرى مرور سنة على قتل اللبنانيين بدم بارد وتدمير عاصمتهم والمرفأ. وإنها قضية أكثرية موصوفة متمسكة بمطلب إسقاط الحصانات وإنهاء زمن الإفلات من العقاب!
فرار دياب من العدالة في هذا التوقيت، لا بل تركه يغادر بيروت بهذه السهولة، وبحقه مذكرة إحضار، أمر سيلقي بظلال سيئة على حكومة نجيب ميقاتي حيال الداخل والخارج. والأكيد أن مذكرة إحضار دياب بعد أيام قليلة من تركه المنصب الرسمي، وفراره منها، شأن يصعب هضمه ولن يمر على الحكومة الجديدة بسهولة، خصوصاً على رئيسها يعرف أن أداءه سيكون تحت المجهر الخارجي كما الداخلي، وكل موقف من التفجير الهيولي الذي هزّ العالم، ومن التحقيق القضائي، يحسب عليه ويرتب أفدح الأثمان!
الأكيد أن ما جرى أكثر من إحراجٍ للحكومة الميقاتية ويفترض محاسبة شديدة بدءاً من اليوم ومعلنة، وإلاّ يتحول شعار “الأمل” الذي رفعته إلى شعار الفرار من العدالة! وإذا كان الأمر الأكيد وفق جهات قضائية أن قاضي التحقيق بيطار سيسطر الإثنين في نهاية دوام العمل مذكرة توقيف غيابية بحق دياب، الذي تحدث من الطائرة في اسطنبول مؤكداً توجهه إلى أميركا لأن الشوق إلى أولاده قد غلبه وهو سيبقى هناك 4 أسابيع ليزور ولديه وهما في ولايتين مختلفتين! فإن هذا الأمر هو من اليوم الاستحقاق الأول الذي تواجهه حكومة ميقاتي، وقد بدا أن هاجسها تلميع الصورة لإستئناف نهج الخداع وتغطية المحاصصات والزبائنية، فدهمها الحدث الخطير! الذي قد يترك بصمة ثقيلة على مرحلة إنجاز بيان وزاري يستعيد بيانات سابقة ولا يقول، وفق ما رشح، أي جديد، ولا يبشر بالتالي بأي تجاوز للسياسات التي أرسلت البلد إلى الجحيم!
في السياق تبدو جسيمة ممارسات النيابة العامة التمييزية المتهمة بالإنحياز إلى المدعى عليهم، والتي لهذا السبب قدمت ضدها نقابة المحامين في بيروت كوكيل عن ضحايا جريمة التفجير، دعوى “الارتياب المشروع” وطالبت بتنحية القاضي غسان خوري بعدما أحيلت إليه كل الملفات المتعلقة بالتحقيق العدلي إثر تنحي عويدات بسبب القرابة مع النائب زعيتر. والجديد في الأداء أنه خلافاً لما أٌشيع لم يرسل القاضي خوري مذكرة بيطار بإحضار دياب إلى الجهات الأمنية لتنفيذها، كما أن النيابة العامة التمييزية لم تضع بعد جوابها على الدفوع الشكلية التي رفعها المدعى عليه الوزير السابق يوسف فنيانوس، ومعروف أنه إذا تأخرت بعد أو تمنعت عن الإجابة اليوم، تكون قد ساهمت بتطيير جلسة التحقيق مع فنيانوس، المحددة يوم غد الخميس في 16 الجاري!
التحقيقات مع كبار العسكريين المدعى عليهم متواصلة، وغداً سيكون موعد التحقيق مع العميد غسان غرز الدين من كبار ضباط المخابرات السابقين. ويبدو أن الملفات متشابكة تتطلب أكثر من جلسة تحقيق مع كل مدعى عليه، قبل الوصول إلى اتخاذ القرارات، لكن كل هذه الجلسات مع قهوجي وضاهر وعويدات وغرزالدين ستنتهي بحدود نهاية الشهر الجاري..ما يؤكد أنه بعيداً عن التهويل، يواصل قاضي التحقيق مهامه وفق البرنامج الذي وضعه وسيكون التحدي فور منح الثقة للحكومة إذ ينتهي طور الانعقاد الحكمي لمجلس النواب، وتسقط الحصانات، ويصبح بالإمكان استدعاء المشنوق وزعيتر وخليل في الفترة ما بين التصويت على الثقة و19 تشرين أول بدء دورة نيابية عادية!
تزامنا يتواصل مسلسل كوميديا سوداء يؤديه الفريق الوزاري الجديد، ما بين حفاضات وزير الشؤون الإجتماعية للإنقاذ الإقتصادي، وضفادع وزير الإقتصاد الذي ربما أراد القول أن حكومة شكلها رئيسي – ماكرون، وأطلق أسرها نصرالله لن تلتفت كثيراً إلى الناس! ما يعني أن منحى مذلة الناس يتواصل مع تفاقم الطوابير التي استمرت على محطات الوقود المقفلة، وسلسة شروط المحتكرين التي لو تم الأخذ بها ينتهي بأيام المتبقي من الودائع العائدة للمواطنين، وأن أحداً ممن هبطوا على مقاعد الحكم الوثيرة، لن يلتفت إلى معنى إقدام النساء بكثرة على بيع خواتم الزواج للحصول على الرغيف..
وبعيداً عن افتخار الممانعين بحكومتهم وخيبة آخرين سحب ميقاتي البساط من تحتهم، بات البلد داخل حلقة مقفلة، والخروج من الدوامة يتطلب ميزان قوى يعبر عن الهموم الحقيقية للناس، يقابل ميزان آخر على رأسه حزب الله حامل الأختام الحقيقي.. ودعونا من كل حكايا الانتصارات، وحكومات تستنسخ الأسوأ في تاريخ حكومات المحاصصة الطائفية، إذ يكفي التمعن بما كانت عليه خطب نصرالله قبل أشهر وتأثيرها، وخطابه الأخير الذي وصل حد التطوع للإعلان عن آليات توزيع المازوت الإيراني! وسرعان ما أتى الرد أن الجماهير ستتقاطر “عفواً” لاستقبال صهاريج النفط!