بقلم عبير غزال – لم أكن لأقوى على سرد تجربتي الشخصية مع واقعة #٤_آب لخجلي أمام حجم الألم وغور المعاناة من حولي، تلك التي خلّفت ٢١٨ ضحية وآلاف الجرحى وندوبًا في الروح قبل الجسد قد لا تشفى للقريب والصديق وأهل مدينتي الثكلى..
لكني كنت هناك وأجل صدف مروري وعائلتي الصغيرة عند الساعة السادسة والسبع دقائق على جسر الكرنتينا بمواجهة الForum de Beyrouth حينها..
أجل كنا هناك وفي لحظة من اللحظات المشؤومة التي صنعها أرباب الشرّ لا ربّ البشر -وبانتظار أن يفتح خط السير المكتظ في محيط منطقة الدورة- إلتفت زوجي لبرهة الي وقال بهدوء المتمرسين: “صاروخ هلق رح يطلع انفجار” وإذ بثوانٍ معدودة نسمع دوي انفجارٍ لم نشهد مثيلًا له نحن جيل الحرب الأهلية وكل تبعات سياسات واغتيالات هذا البلد العظيم المشهود بأحواله وأهواله..
“عبد القزاز” من فداحة ما حدث صدحت دون أن أشعر ليجيبني: “ما في شي روقي” ومرّت الثواني الأخرى كالبرق ونحن نرى بأمّ أعيننا ألوان البني والبرتقالي في السماء، لكن شيئًا من الرعب لا يقارن أمام الموجة التي أحدثها التفجير وبتنا نترقّب وصولها إلينا ترّقب ملك الموت للعليل، وبدون تفكير تحركت من مقعدي قاصدةً بجسدي أن أغطي ابني ذو الست سنوات الجالس تمامًا خلفي، إلا أن الموجة كانت أسرع مني رمتني وثبتتني مكاني.. طارت السيارة وطرنا معها… تسونامي هوائي سبحنا بتياره تتقاذفنا فيه ألف فكرة مع كل ومضة.
هالكون.. نحن هالكون لا محالة… ستنقلب بنا النيسان NISSAN وسنكون بخبر كان، وما بين التشهد والخواطر المتطايرة؛ صرخة Shwaget العاملة المنزلية التي صحوت عليها من عزم الأمر لأتفقد عمر طفلي وزوجي وهي…
نحن بخير أيعقل!! لا… لا لم تنقلب المركبة ولم يتهشم زجاجها بل لم ينشعر حتى، جلّ ما حدث هو الحديد المتداخل علينا ما بين السقف والجوانب من شدة الضغط وقوته.
أجل الكل سليم في الداخل… لكن المشهد لا ينذر بمثيله في الخارج.. الدماء وزجاج السيارات غطى الناس والمكان، العيون جاحظة تحت وقع الصدمة والضياع.. الكل مشتت لا يتحرك وسياراتهم متقابلة وكأنها تحضن وتواسي بعضها البعض، الكون كله تجمد إلا ما وقع عليه بصري بمنظر سيدة متدلية من نافذة سيارتها ومرتطم رأسها بحائط الجسر وهي تتأوه بحرقة لا تفارقني.

“ما تروح لقدام خلينا نرجع ع البيت” “ما فينا نرجع خرباني ورانا” أول حوار بيني وبين زوجي لمحاولة إعمال العقل رغم غيابه… ماذا!! رنّ الهاتف الخلوي الشبكة تعمل على عكسنا وَيَا لسخرية؛ وها هي رسالة أخي من دبي تطمئن علينا وها هو صوت أخ زوجي من كندا يعيد لنا الصواب وحنكة التصرف لا عودة إلى الوراء تقدموا وغادروا بيروت الآن.
كيف دار محرك السيارة وكيف خرجنا من المنطقة لا نعلم.. كل ما نعلمه أننا توقفّنا بعد قيادة نصف ساعة وقفنا للملمت أشتاتنا المبعثرة، ومن عِظم الدمار على جانبينا اجهش كلينا بالبكاء وحينها فقط أدرك طفلنا الخطر وبدأ يبكي معنا بصوت خائف مرتجف كان حافزًا لاستعادة رشدنا، ترجلّت كي أتفقده وإذ بسواد مخلّفات المواد المتفجرة تتهاوى عليّ كندّف الثلج “بسرعة بركي ما لازم نتنشق الهوا برا” ردد زوجي تحسبًا لأي شيء قد لا تحمد عقباه، ثم أكملنا لنعلم أيضًا بعد مرور ساعتين على المصاب بمصاب أكبر؛ إصابة السكر المعقود أختي في كل من رأسها وأنحاء متفرقة من جسدها.. تصل من بيروت ونتابع فصول اليوم وبؤسه الى ما بعد منتصف الليل سعيًا لإيجاد مستشفى تستقبلها أو جرّاح يضمد نزفها مع كم نثرات الزجاج المتربعة داخل جروحها.
هي حكاية قد تكون من أبسط حكايا الكارثة التي مرّت، لكن اللطف فيها أكبر من أن يحكى أو يستوعب…
أشكر الوعي الذي جعلنا نبقي عمرًا في مقعده المخصص للأطفال مقيدًا بأمان حتى هذا العمر وأشكر العناية الإلهية التي حفظتنا وحفظت أختي وجنبت أحبابنا أي فراق أو فقد على عكس حكايا رفاق أو أحباب أخر لا يوازي وجع أي منا بهم، وقد مسهم التفجير بكل شكل من أشكال الضرر.
إلا أنّ أرواحنا جميعنا ما زالت تأنّ بصمت منتظرة المساءلة والعدل، أجل نحن لسنا بسلامة أو خير ولن نستكين قبل إسقاط عرش النائم وجبروت البلطجي وحماقة المرتهن، كما المسؤولين الذين علموا وروّجوا لقصة منافية لكل شاهد منا على ما حصل؛ إن كان بإذنيه أو عينيه أو جوارحه أو شهيد فينا بروحه أو قلبه أو آلامه..
وستبقى حبيبتي بيروت رغمًا عن أنف إجرامكم تلفظ حزب نفاقكم ودجلكم مهما حميّتم وحصنّتم وتنفض قازوراتها وغبارها المتمثل فيكم وبفسادكم لتعود وتلبس حلاها من جديد بعرس محاكمتكم ومحاسبتكم يا رعاع الحكام وأنّذلهم.