دقّ البنك الدولي ناقوس الخطر من جديد في تقريره حول الآفاق الإقتصاديّة للبنان، مخفضاً توقعاته السابقة للنمو الإقتصادي للعام 2020 من إنكماش بنسبة 19.2% إلى إنكماش بنسبة 20.3%، وذلك بسبب صعوبة الأوضاع الإقتصادية، وغياب أي توافق سياسي واستمرار الأزمة المالية، وتفشي فيروس الكورونا وإنفجار مرفأ بيروت، الأمر الذي سيعزز الركود الإقتصادي لفترة طويلة نتيجة غياب قيادة فعالة لصنع السياسات اللازمة.
التقرير أشار بشكل واضح إلى حالة عدم اليقين التي يعاني منها لبنان لناحية الأوضاع المالية والنقدية وتعددّ سعر صرف الليرة مقابل الدولار، حيث خسرت العملة اللبنانية أكثر من 50% من قيمتها في الفترة الممتدة بين 12 و16 آذار 2021. هذا فضلاً عن صعوبة استقطاب رساميل جديدة من الخارج، وتراجع في رصيد الودائع بالدولار التي تمّ تحويلها إلى الليرة وفقاً لتعميم المصرف المركزي رقم 151. كما نبّه إلى أن تأثير الأزمات على المجتمع سيسوء مع مرور الوقت، بعد أن أصبح 50% من سكّان لبنان قد أصبح تحت خطّ الفقر. فقد قدّر برنامج الطعام العالمي أن حوالي 41% من العائلات اللبنانية تواجه تحديات في الحصول على الطعام والخدمات الأساسية، فيما 36% يعانون من الصعوبة في الحصول على خدمات صحية. وبحسب البنك الدولي، فقد إرتفعت مستويات البطالة من 28% مع نهاية شهر شباط 2020 إلى 40% في شهر كانون الأول من العام نفسه، مشيراً إلى أن الرواتب التي تُدفع بالليرة اللبنانيّة قد شهدت تراجع بارز في قيمتها الشرائية تزامناً مع ارتفاع الكتلة النقدية بنسبة 227%، في حين تخطى مستوى التضخم نسبة الـ 100% مسجلاً نسبة وسطية عند 84.3% في العام 2020.
واعتبر البنك الدولي أن توقف تدفق الرساميل والعجز الكبير في الحساب الجاري قد أديا إلى تواصل إستنزاف الإحتياطات بالعملة الأجنبية لدى مصرف لبنان، الذي انخفض 12.5 مليار دولار أميركي خلال العام 2020. هذا وتوقع البنك الدولي أن ينكمش الناتج المحلّي الإجمالي للإقتصاد اللبناني بنسبة 9.5% في العام 2021، بسبب تفشي فيروس كورونا وغياب الاستقرار السياسي والأمني وعدم معالجة الأوضاع الماكرو-إقتصادية.
أما لناحية الناتج المحلي الإجمالي للفرد، فقد تراجع بنسبة 40% خلال الفترة الممتدة من العام 2018 حتى العام 2020، إذ من المرجّح أن يخفض البنك الدولي تصنيف لبنان من حيث الدخل من إقتصاد ذو دخل متوسط أعلى إلى الشريحة الدنيا من الدخل المتوسط، مطالباً جعل حماية السكان الأكثر فقراً أولوية، والعمل على تأمين الإستقرار الماكرو-إقتصادي قبل البدء بعملية التعافي من خلال إعادة هيكلة شاملة للدين العام وللقطاع المالي، وإلى سياسة نقدية جديدة وبرنامج تكيف مالي.
مما لا شك أن الوضع اللبناني يكتنفه حالة من الضبابية، بحيث يعيش المواطن أزمة اقتصادية ومالية صعبة وظروفاً معيشية واجتماعية ضاغطة، في ظل تراجع كافة المؤشرات وغياب الحلول لتشكيل حكومة جديدة، فأتى تقرير البنك الدولي بنظرة تشاؤمية لواقع مرير ومستقبل غامض لا تلوح في أفقه أي من المؤشرات الإيجابية لحلول قد تبدو قريبة.