السياسة مهنةٌ لا ترحم. وهي إذا تلازمت مع الطموح الجامح لعلّها تصبح قاتلة، أو مصاحبة للإيذاء. كثيرون دمّرهم الطموح عندما لم يرحمهم المنافسون. وآخرهم كان المرشح فرنسوا فيون رئيس الوزراء الفرنسي الأسبق الذي حاسبوه على ثغراتٍ في حياته السياسية فسقط أمام الشاب ايمانويل ماكرون عام ٢٠١٧، الذي تمكن وهو المجهول نسبياً، من إقناع الفرنسيين برؤيته وبرنامجه. ولكنه بدوره تعرّض للكثير من الإيذاء ويتعرض حتى الآن لقطع الطريق عليه في إعادة انتخابه.
دونالد ترامب أُصيب بما يُشبه الهذيان عندما أزفت ساعة المغادرة. كيف يترك؟ لم يغادر أيٌ من الرؤساء مركزه بطيبة خاطر. فالديمقراطية من هذه الناحية لعلّها قاسية. ولأن تداول السلطة، وهو المبدأ الديمقراطي السياسي الأول مع فصل السلطات، يفرض تحديد زمن الولاية. إذ ليس من السهل على الرئيس أن يصبح سابقاً.
ويذكر التاريخ أن الرئيس الأميركي هاري ترومن، غادر الرئاسة يوم ٢٠ كانون الثاني ١٩٥٣. ولكنه بعد حضوره حفل تنصيب خلفه الرئيس دوايت أيزنهاور، وجدَ نفسه وحيداً مع زوجته “بيس” يحملان حقائبهما بنفسيهما لدى وصولهما إلى محطة القطار الذي سينقلهما إلى بلدتهما انديبندانس. قاسية جداً. قبل ساعة من ذلك كان بمستطاعه أن يضغط على الزر النووي وهو ما فعله في الحرب مع اليابان، ولكنه الآن وفق قواعد الديمقراطية بات سابقاً ويحمل حقيبته بنفسه ويعيش بدون موردٍ فيما عدا تقاعده العسكري البالغ ١١٢ دولاراً! ولم تتحسن أحواله إلا بعد نشره لمذكراته.
وكان الرئيس شارل حلو (١٩٦٤-١٩٧٠) يقول لضيوفه في منزله بمنطقة الكسليك، بعد الرئاسة: أرجوكم ابقوا على الأقل ساعة من الزمن. لأنه يريد أن يملأ وقته. قاسيةٌ هي لعبة الديمقراطية. ولكنها في لبنان لعلّها مدمّرة، وتأسر الحياة السياسية كلها، لأنها ديمقراطية ملبننة.
كانت كؤوس الرئاسة مُرَّةً في لبنان بصورة دائمة. نَدَرَ أن انتهت رئاسةٌ على خير. وكان البطريرك الراحل نصرالله صفير يعتقد أنها لم تجرّْ سوى الويلات بخاصةٍ على أبناء الطائفة التي ينتمي إليها رئيس الجمهورية.
فطموح رِئاسة الجمهورية في لبنان هو في أحيانٍ عديدة غيرَ مشروع بالنسبة إلى الكثيرين. إنه يعصف بالرؤوس. وذلك دون أن يكون لمعظم هؤلاء الطامحين برنامج حكمٍ أو حتى رؤية في ما عدا خطاب قسم اليمين إثر الانتخاب بالطبع. وللدقّةِ فقط، فإنّ النائب الراحل نسيب لحود لعلّه الوحيد الذي رشّح نفسه على أساسِ برنامج ورؤية. واللبنانيون يذكرون كلمة الرئيس الراحل سليمان فرنجية الذي قال إن الشخص هو البرنامج. وهذا يكفي. وإلى حدٍ ما إنه على حق، إنه على حق في لبنان. في واقع الصراعات الشخصية والزعامتية والتي تميّزت بها بصورةٍ خاصة ولأسبابٍ متنوعة الطائفة المارونية. “لماذا ليس أنا” يقول كلّ من هو صاحب مرتبةٍ معيّنة ما دام إنه ماروني.
وعلى كل حال، فيما عدا خطاب القسم إثر الانتخاب وبما أن النظام اللبناني هو برلماني وبعيدٌ عن العقائد، فإن برنامج رئيس الجمهورية، إذا كان له من برنامج، فهو لا يمكنه أن يُترجم إلا عبر مجلس الوزراء، وليس بصورةٍ مستقلة. أكان ذلك في البيانات الوزارية أو عبر قرارات مجلس الوزراء. وهذا كان سائداً حتى في زمن الدستور السابق.
المونسنيور يواكيم مبارك، الذي كان من ألمع علماء الاكليروس الماروني، وضع عام ١٩٨٤ ما عُرف بالخُماسية المارونية. وفي حفل إطلاقها في شهر تشرين الثاني عام ١٩٨٤ وبحضور جمعٍ كان من بينهم مؤسـس الندوة اللبنانية ميشال أسمر الذي أشرف على إخراج المجموعة، قال الأب مبارك يوم ذاك في كلمة له: “مهما يكن من أصل الموارنة وانتمائهم التاريخي الأول، وهو علمياً لا يزال قيد البحث، فالموارنة هم أولاً وآخراً من العُصاة والرافضين والمتمردين على أي حكمٍ تسلّطَ في لبنان… فالتمرّد قائمٌ والعصيان بُعدٌ مارونيٌ دائم من أيام بيزنطيا إلى أيام بني عثمان… وليس من الصحيح أن الموارنة والوا الفرنجة التي تناقلتها كتابات قديمة وحديثة هي أقرب إلى الدعاية منها إلى التاريخ. أولاً لأن الموارنة لم يتفقوا يوماً على شيء…”
ويُلاقيه في هذا التوصيف المؤرخ كمال الصليبي الذي قال في كتابه “تاريخ لبنان الحديث” صفحة ٢٥: “الموارنة عُرفوا على مرّ الأجيال بالجرأة والاندفاع… وهم المشهورون بفرديتهم العنيدة… فهذه النزعة الفردية أضعفت من تماسك حقوق الموارنة… فكثيراً ما انقسموا في أحرج الأوقات…” (وذلك في طبعة ١٩٦٧ التي تكررت من ثمّ).
ولعلّ القيادي الكتائبي الراحل جوزف أبو خليل، في كتابه الصادر عام ١٩٩٠ “قصة الموارنة في الحرب” أضفى بعنوانه هذا شيئاً من الظلم على أبناء طائفته، لأن الحرب أو الحروب لم تكن فقط بين الموارنة.
إنهم لم يتفقوا يوماً مع أي حُكمٍ خارجي، ولكنهم لم يتفقوا أيضاً فيما بينهم. وفي هذا الصدد يجدر نبذ مقولة “المارونية السياسية” لأنه لا أساس لها عملياً أو تاريخياً. فهي تفترض لو صحّت، أن يكون هنالك قرارٌ مركزيٌ ماروني يُتّخذ ويضبط الجميع. وهو كان ولا يزال صعباً جداً، باعتراف وتصرفات الموارنة أنفسهم. وذلك بخلاف الطوائف الأخرى المُكوّنة للكيان اللبناني، التي لم تعرف في داخلها صراعاً أو تنافساً كالذي يشهده الموارنة. والتاريخ الحديث لبكركي يُفيد أن البطاركة بولس المعوشي وأنطونيوس خريش ونصرالله صفير شَهدوا الصراعات وتذمّروا منها علناً. وليس واقع البطريرك الحالي بشارة الراعي ليختلف عن ذلك وهو الذي حاول أكثر من مرة التوفيق فيما بين قياداتهم ولم يوفّق.
هذا هو الواقع السياسي الحالي، وهذا هو واقع الطموحات في مطلع عام ٢٠٢١ التي تتمحور حول من سيخلُف الرئيس ميشال عون لدى انتهاء ولايته في السنة القادمة.
إنه الواقع السياسي فقط. ولكن الواقع الإنساني شديد الاختلاف. فالموارنة كانوا ولا يزالون أهل عطاءٍ وانفتاحٍ وانتشارٍ خلاّق وتجذّرٍ في الأرض والتراب. وإسهاماتهم الحضارية على مختلف الصُعد أكثر من أن تُحصى. شأنهم في ذلك شأن سائر اللبنانيين الذين يُبدعون في الخارج، على نحو ما نشهد اليوم من أسماء علمية لبنانية ساهمت في التوصّل إلى اكتشاف اللقاح ضد جائحة كورونا، كما هي إسهاماتهم الأخرى، وكان بين عِداد وزراء دونالد ترامب وزيران من أصلٍ لبناني، فضلاً عن وجودهم البارز على مختلف الصعد في دول أمريكا اللاتينية وكندا وأستراليا وافريقيا وسواها من مناطق العالم.
فهل أبناء الطوائف الأخرى مُختلفون، لا تنافس فيما بينهم في سبيل “الوصول”. بالطبع إنه موجود ولو على مستويات مختلفة وفقاً لتوزيع المراكز والحصص الطائفية.
لكن الرئاسة تبقى هي المقصد والطموح… والأزمة. في سبيلها يهون كلّ شيء. تُنسَج التحالفات وتُدمَّر. في سبيلها تمتدّ الأيدي إلى الداخل والخارج. معها يُكتَب تاريخ لبنان الحديث، في عهد هذا الرئيس أو ذاك. ولايته ثابتة. وما من رئيسٍ حتى الآن، ما عدا فؤاد شهاب والياس سركيس، إلا وراودته فكرة التجديد أو التمديد كما في الزمن السوري. وكانت المشكلة دائماً، في عددٍ من ولايات الرؤساء، في البطانة والمحيطين والعائلة والمستفيدين. فنظام الحكم اللبناني في هذا الصدد هو مزيجٌ من رقي وتخلّف. إنه رقيٌّ في تداول السلطة وتخلّفٌ في بطانة السلطة والمنتفعين منها.
فرئيس الجمهورية في لبنان، في ما يتجاوز الصلاحيات، هو لاعبٌ سياسي أساسي، أقلّه لأنه ممثل المسيحيين في السلطة العليا. وهذا التمثيل، وهو الوحيد في الشرق العربي ومغربه، كان ولا يزال مفروضاً به أن يدفع بهذا الرئيس إلى مهمة أساسية لا تستقيم الرئاسة بدونها وهي إعطاء القدوة. الدستور المعدل جعله رمزاً. وهذا أسمى ما يمكن أن يُطلَق على رئيسٍ من أوصاف. المكاسب والحصص هي أدنى من ذلك بكثير. ما دام بإمكانه أن يُصبحَ قدوة فكل شيء هو له. إذ ذاك يُصبح المرجعية التي لا غِنى عنها، فلا يتحوّل الناس إلى مراجعهم الدينية عند ضياع الثقة. فالثقة لا تضيع إلا عندما يضيع الرئيس. وهذا حصل.
الرئيس هو الميزان، يُمسك بوسطه ولا يَحيد. إذ ذاك يؤدي رسالته، لا صلاحياتِهِ ولا مقولة حقوق المسيحيين المعيبة. لأنه ليس موجوداً لضمان حقوق أحد، وإن كان مسيحياً، بل لضمان الوجود ككل: “أحلف بالله العظيم أني أحترم دستور الأمّةِ اللبنانيةِ وقوانينها وأحفظ استقلال الوطن اللبناني وسلامة أراضيه”.
فأين هذا الكلام السامي من الثـلث المعطّل وحصة الرئيس ووزارة الداخلية… إنه كلامٌ يقود صاحبهُ إلى الأعالي. فلماذا تلك الشهوة التي لا يلجُمها الترفّع الواجب.
هل لأننا في الشرق حيث “الرئيس” أو الملك أو الأمير هو الرأس؟ أو أننا في حالة ما يسمّيه علم النفس “Le syndrome du Roi” أي متلازمة الملك ومعناها ذاك الذي لا يشبع ويريد كلّ شيء. مثلما حصل بكلّ أسف مع ملك إسبانيا السابق خوان كارلوس، الذي نَسِيَ أنه حفيد لويس الرابع عشر ومن عائلة البوربون وضعف أمام المال فوضع الملكية الإسبانية في خطر الزوال.
فهل نحن في خطر التفكك، على نحو ما ألمح إليه البابا فرنسيس في طريق عودته من العراق يوم الاثنين في الثامن من الشهر الجاري، عندما وعد بزيارة لبنان “الذي يعاني اليوم أزمة، وهي أزمة وجود”.
لم يقم لبنان أصلاً في سبيل الكراسي والساعين إليها. إنه كان ولا يزال في هذا الشرق، شرق الثورات والثروات، علامةٌ فارقة، أمانةٌ مميزة للساعين لحملها. وإلا كيف وصل لبنان اليوم إلى ما وصل إليه من أخطار التفكك والزوال لولا القحط الذي أصابه في المؤتمنين على الأمانة. ليس هنالك من كبار؟ هذا غير صحيح. الكبار في بيوتهم بعدما أبعدتهم الصراعات الخاصة وعرقلت أمامهم سبل الوصول. في بلدان الكرامة والتقدّم يسعى المسؤولون الواعون والمدركون لأهمية الاستمرار، إلى الاستعانة بهؤلاء. من أي قطاعٍ كانوا. فعندما تولّى جون كندي مسؤولياته الرئاسية في ٢٠ كانون الثاني ١٩٦١، طلب إلى روبرت مكنمارا رئيس شركة جنرال موتورز أن يتولى حقيبة وزارة الدفاع، فأجابه هذا الأخير: أنا لا أعرف كيف أكون وزيراً للدفاع. فأجابه كندي: وأنا لم أكن أعرف كيف أكون رئيساً.
يكفي الإنجاز. تكفي الأهلية والاستقامة ونُبل الوفاء للأمانة حتى يصل إلى المراكز من يفترض بهم أن يصلوا من الأكفياء والشرفاء. وإلا كيف تحوّل المسؤولون عندنا إلى ما صار يُسمّى بالطبقة السياسية التي تلاقي الشتم كل يوم من العالم كلّه، نتيجة ما وصل إليه لبنان. لبنان ذلك الكبير الذي لا يليق به سوى الكبار.
المصدر: النهار