بين السقوط الفاضح ل”حروب الإلغاء” العونية، و”7 أيار عوني”:خرطوشة فردك يا سيد!، انفجر لقاء الإثنين والحريري يكشف الأوراق، القصة أبعد من صراع الرئاستين ومصالح الناس ليست في الحسبان، هكذا تناولت الصحف هستيريا القتال الأخير للحفاظ على كرسي الرئاسة في بعبدا!
كل ما حدث يوم 22 أذار، قمة في “الحروب الصغيرة” التي قالت لكل الناس أن الحرب الأهلية التي طويت صفحتها رسمياً قبل 31 سنة، باقية وتتمدد ولن تخرجوا منها، وسيكون كلً منا نحن الناس أمام مواعيد متجددة مع المعاناة الأكبر، من التذلل أمام الفرن والصيدلية والمستشفى والتعاونية ومحطة البنزين وبالطبع المصرف!
وحتى لا يدخل أي منا و”يضيع ” في متاهة الفيلم الجريصاتي – الباسيلي، والحائط المسدود أمام البلد الذي دفعته إليه طغمة الفساد، الفاقدة للأهلية والوطنية، فإن “التايتنك اللبنانية” التي لن يتأخر ارتطامها الذي قد يحذف مؤقتاً وقع التفجير الهيولي في الرابع من آب، فالكل مطالب بالتنبه أن الممسك بالمفاتيح ليس مستعجلاً على فتح الباب لتأليف حكومة تعيد تسيير الأعمال، فأمر العمليات الإقليمي يشمل بيروت ويقضي بربط تأليف حكومة لبنانية بمسار المفاوضات الأميركية الإيرانية، التي لا مؤشر بعد عن موعدٍ لها. خدمة لهذه الأولوية كان أمر العمليات ليل الخميس الماضي بمثابة جرعة دعم لحلم التوريث، فكان ما كان من تشددٍ باسم القصر ومن ممارسات حطّت من قيمة الموقع ومكانته ودوره!
قبل التوقف عند ما صار، مفيد أن نتذكر أن البلد محكوم منذ ال92 من خارج الدستور، وأنه ليس سراً أن ما ميّز ثورة تشرين كان السعي لتأليب اللبنانيين حول مطلب عودة العمل بالدستور لأنه الضامن للمسار والحقوق والحريات والشفافية والمحاسبة ويصون الحريات ويستعيد السيادة الممتهنة. ومع تغييب الدستور حلّت البدع والفتاوى والأعراف المفروضة بقوة السلاح، واستناداً إليها كانت تُشكل الحكومات! عليه كل الرؤساء الذين وفق الدستور عندما يحضرون مجلس الوزراء يترأسون، لكن لا حق لهم بالتصويت، بات للرئيس حصة وزارية أوجدها نظام المحاصصة الطائفي، ما منحه عدة أصوات في مجلس الوزراء، لكن عون بعد إنقلاب الدوحة حصل على الثلث المعطل، في الحكومات التي شكلت خلال ولايته، ولأن الرئيس المكلف ذهب إلى اعتماد الدستور المفترض أنه الفاصل والمرجع، هاج القصر وماج متمسكاً بالاستثناء رافضاً القاعدة الدستورية!
كي يكون الأمر جلياً، قالت المادة 53 في فقرتها الرابعة عن صلاحيات الرئيس “يصدر بالاتفاق مع رئيس مجلس الوزراء مرسوم تأليف الحكومة”، ولو أراد المشرع أن يكون شريكاً بالتأليف لبت الأمر، فيما أناطت الفقرة الثانية من المادة 64 من الدستور بالرئيس المكلف حصراً تأليف الحكومة استناداً إلى الثقة التي منحته إياها الأغلبية النيابية، وقال الرئيس حسين الحسيني أن حق رئيس الجمهورية أن يناقش الأسماء والأسباب والحيثيات وعليه أن يعلل الرفض، لأن رئيس الحكومة هو من سيتحمب المسؤولية أمام المجلس النيابي. يعني أن ينام القصر 100 يوم على مشروع متكامل لتأليف الحكومة تم تقديمه في التاسع من شهر كانون الأول الماضي ويرفض نقاشه يدخل في سياق آخر، هو سياق الاستثمار بالخراب للترويج للتوريث، ويندرج في سياق الإلتصاق بما يريده حزب الله الممسك كل مفاصل القرار والذي يلتزم أجندة حجز البلد خدمة لمشيئة المفاوض الإيراني!
غير أن الفيلم المنسوب إلى جريصاتي – باسيل، فاق في السيناريو المرسوم كل التوقعات الهوليودية، عندما اعتمدت أبشع الممارسات لإحراج الرئيس المكلف وإخراجه ودفعه إلى الاعتكاف وعدم العودة إلى القصر فيتحمل مسؤولية الإخلال بتأليف الحكومة. إنها رسالة مساء الأحد وحمل الظرف الرئاسي تسمية الرئيس السابق للحكومة وليس الرئيس المكلف وتضمن مسودة موزعة على الطوائف تمنح القصر وفريقه الثلث المعطل، وتبلغ الرئيس المكلف أنه “يستحسن” ملْ الفراغات بالأسماء! لكن السحر انقلب على سحرة القصر، فحمل الحريري أوراقه وحضر في الموعد، ولم يستغرق اللقاء إلاّ 20 دقيقة ليعلن إثرها أنه اعتبر رسالة القصر” وكأنها لم تكن، وقد أعدتها إليه، وأبلغته أنني سأحتفظ بنسخة منها للتاريخ”! وقال:”أرسل لي تشكيلة كاملة من عنده تتضمن ثلثاً معطلاً لفريقه..غير مقبولة لأن الرئيس المكلف ليس عليه أن يقوم بتعبئة أورقٍ من قبل أحد ولا عمل رئيس الجمهورية أن يشكل حكومة”!
خطير ما حدث، لأن هذه الممارسة لم يعرفها لبنان حتى قبل الطائف وقبل النص الدستوري المفترض أن يطبق وبات مع هذا التطور البلد أمام معادلة: “إعتذار الحريري يوازيه استقالة رئيس الجمهورية”!
البلد في عين العاصفة، والانهيار يتسارع والخشية على الكيان تفوق كل ما عداها، ومن مسؤولية المنظومة السياسية تأليف حكومة أقله لإدارة الوضع الصعب ومنح البلد فرصة، ربما تتم فرملة الانهيار، بهذا السياق كان تصرف الحريري، دون أن نسقط من الاعتبار ولو لحظة واحدة، أنه جزء أساسي ممن تسبب بكل هذه الانهيارات. صحيح أن الرئيس المكلف يسعى لإعادة تعويم وضعه وفرض ترتيب آخر للتوازنات داخل المنظومة السياسية وهذا مفهوم، غير أن التوليفة التي قدمها حملت حداً من الاستقلالية، وإن استمرت كذلك معالم المحاصصة ولو بحدٍ أقل من كل ماسبق، ما كان يمكن أن يعول عليه في منحى فرملة الانهيار، وبعض الالتفات إلى الناس وربما توفير الاستجابة الحقيقية لمسألة توفير اللقاح وتمنيع اللبنانيين وكسر كل هذا التواطؤ الخطير!
بهذا السياق ينبغي فتح مزدوجين للقول أن ما حصل، والبلد اليوم أمام أزمة مفتوحة من الصراع على السلطة، ليس مجرد حرب بيانات ولوائح و”نقار” على ما ذهبت إليه التلفزة المحلية! لقد سقطت رهانات فمن جهة انفضح طرف أولويته ليست الشراكة بالسلطة لمحاولة تلبية الحد الأدنى للناس، بل الشراكة من باب التعطيل لفرض الإستئثار! إنه طرف منفصل عن الواقع كلية وما كان له أن يمارس هذه الممارسة لولا اتكائه على بندقية غير شرعية وتسخير الموقع الأول في خدمتها..وسقطت محاولات الحزب القائد أخذ السلطة وجهة أخرى ولن يتمكن من البقاء في الظل، خارج تحمل المسؤولية عما آل إليه الوضع على حساب مصالح الناس والبلد..مع ملاحظة كم هو صعب عليه ومتعثر العودة بالبلد إلى ما قبل 17 تشرين، رغم أن الثورة التي رفعت الشعار الأرقى”كلن يعني كلن” لم تبلور بعد ميزان القوى السياسي البديل!
وبعد، قد يطول النقاش ويتشعب حول أسماء بعينها تضمنتها التشكيلة الحريرية، وبالتاكيد سيثور الكثير من النقاش حول القدرة على التغيير من الداخل، وكله مفهوم، وقد يُطرح ضرورة التزام سلم قيمي، وخوف على البعض، لأنه في هكذا وضع ليس البلد أمام حكومة إنقاذ، وهذه المنظومة ليست أهل انتشال الوطن من الهوة التي دُفع إليها، لكن الناس تراهن على إمكانية الفرملة ما يدفع إلى الابتعاد عن الأحكام النهائية والمبرمة!