1. Home
  2. زوايا
  3. عندما ينتهي الكلام / بقلم الاعلامي زياد دندن
عندما ينتهي الكلام / بقلم الاعلامي زياد دندن

عندما ينتهي الكلام / بقلم الاعلامي زياد دندن

239
0

يوماً بعد يوم ..في ظل الحجر المنزلي الطوعي.. بدأ ينتهي الكلام
نعم، فلا جديد يمكنك التحدّث عنه، وبالأخص إن كنت تريد الهروب إلى الأمام بعدم التفكير بالخطر الداهم الذي يهدّدك ويهدّد من تحب.
صور وفيديوهات، شرح وتعليق على الشرح، نصيحة وطرق اتباعها، وصور وفيديوهات مضادة تنسف كلّ ما سبق.. مللنا المتابعة وسئمنا التنظير الطبي والصحي، مع شكرنا وتقديرنا لكلّ من رأى في نفسه من اصحاب الاختصاص والخبرة، أن لديه معلوماتٍ قد تفيد النّاس، نعم سئمنا كلّ ذلك وننتظر الفرج الآتي، والذي لا بدّ أنه آت.
انتهى الكلام الذي كان يستغرق ما يزيد عن الساعة أحياناً، عبر تطبيق الواتس أب بين مهاجر وأهله وأحبابه.. الحديث يقتصر اليوم، هل أنتم بخير… الحمد لله بخير، انتبهوا ع حالكم… وانتو كمان، باي… باي.


فالكلّ في حجرٍ منزليٍّ طوعيّ، مترافق مع خوفٍ يلوح من بعيد، ربما أصابني الوباء غداً او بعد غد… فلا عمل إلا من المنزل لمن تسمح طبيعة عمله بذلك.. ولا أنشطة إجتماعيّة ولا أحداث مجتمعيّة يمكن التحدّث بها والنقاش حولها.
ينتهي الكلام حتى بين أفراد الأسرة المحجورة طوعاً.. ما عدا السؤال عن طبق اليوم على الغداء او العشاء وما شابه، بما تستقيم معه الحياة ولا غنىً عنه.. مع بعض ضرورات “اللقمشة” امام شاشة تلفزيون او لاب توب او هاتف وكلّ واحد في زاويته وغرفته.. نتفقّد بعضنا بعضا من حين لآخر.
قلتُ سأبدأ بكتابةٍ ما.. ولكن البال منشغل بضرورات أخرى.. طلب مني الكتابة الآن وبأي موضوع أشاء، فما خطر ببالي مخيفٌ لي ولكلّ من أحبّ من أهلي وأصدقائي.. أظن أنّ الشعور بالخطر يفقدك القدرة على الكلام، أما الأفكار التي تتصارع في رأسي تدور بين خوفٍ ورجاء.
خوفٌ من مجهول يهدّد الجميع، قويّاً وضعيفا، كبيراً وصغيراً، غنيّاً وفقيراً، عالماً وجاهلاً حتى عاقلاً ومجنونا.. أمّا الرجاءُ فهو بالعدلِ الإلهي الذي لا بدّ أن يقضيَّ حكمَه في الأرض، ولا بدّ أن الذي نشهده ويشهده العالم أجمع جرّاء وباءٍ لم يجد العلماء له دواءً او حتى لقاحاً يقاومه.. أقعد سكانَ كوكبِ الأرض في بيوتهم ليقولَ لهم: “كفاكم ركضاً وراء مالٍ وسلطة، أو منصبٍ وسطوة، أو ربحٍ وصفقة.. كفاكم متاجرة وربحاً، تعدٍّ وظلما، تجبّراً وتكبّراً وسباقاً على حكم العالم زوراً وغصبا.
استوقفني قولُ هذا الذي شُفيّ في إحدى المستشفيات الإيطالية وهو رجلٌ في العقدِ السبعين من العمر، عندما طلبت منه إدارة المستشفى مبلغاً كبيراً من المال، لقاءَ حصوله ليومٍ او يومين على جهاز التنفس الصناعي، أدمعت عيناه وقال: “مرّ عليّ أكثر من سبعين سنة وأنا أتنفسُّ بشكلٍ تلقائي وبالمجان.. ولم يخطر لي يوماً أن أشكرَ الله على هذه النعمة التي أدفع الآن ثمنَ يومٍ منها هذا المبلغ من المال”.
وقد قال من سبقنا: ” رُبَّ ضارةٍ نافعة”، علّ هذا الوباء او هذه الجائحةُ العالمية دفعت (المتحكّمين) بمصائر الشعوب والبلدان، إلى إعادة النظر بآليات حكمهم وخلفياته، وبجموحهم المادي اللامحدود، وإلى العمل الجدّي لما فيه خير الإنسان -كما كانوا يدّعون- وخير هذا الكوكب الذي تنفّس الصعداء مجرّد أن قعدوا أو أُقعدوا عن كلّ ما يسيء لنقاوته وصفائه.
أتحرّق شوقاً للحديث مع والدتي، مع صديق أو قريب، عمّا سيكون ما بعد ال”كورونا” عندها لن ينتهي الكلام أبداً.. بل سنبدأ كلاماً آخر عن مستقبل واعدٍ، يكون خير البشر رأس أولوياته ومنتهى عمله وأهدافه.

عن منصة المركز الثقافي الإسلامي في بيروت