11 شباط بعد أسبوعٍ على الجريمة، إنه يوم عودة لقمان سليم إلى دارته، تستقبله العائلة ورهط من المحبين، من كل الأطياف ومن كل الطوائف. يودعون جسد من اخترق الصمت بشجاعته، شفافاً نزيهاً رفض السكوت على استرهان البلد واختطاف الدولة وتدمير المؤسسات، ووقف بوجه الاستباحة، ليجددوا في يوم وداعه التمسك بالقيم التي حملها وأفنى عمره في سبيلها، ويعيدون التأكيد أن عين الحقيقة ستقاوم عنف المخرز، وقد انتقل الكثر إلى زمن يتقدم فيه كاتم الخوف على كاتم الصوت!
ولكي تكتمل حلقة التضييق على الرأي السيادي والاستقلالي الفعلي الذي مثلته ثورة تشرين، وتنهض وحيدة بأعبائه. ويستمر هنا وهناك الهروب من تحديد المسؤولية عن الجريمة بذريعة إنتظار التحقيق لمعرفة القاتل، ومعروف كم هي طويلة لائحة الإنتظار لأن الملفات فارغة، تقدم حدث تبرؤ رئيس مجلس إدارة الmtv ميشال المر من حلقة “حكي صادق” التي تناولت جريمة قتل لقمان سليم! تم ذلك تحت ضغط من حزب الله بعدما شنت قناة المنار حملة هددته بملف قضائي(..)، واستكمل الحملة عبد الهادي محفوظ محتجاً على “إصدار أحكام من دون أي أدلة ضد حزب الله بالقتل”، وما يثير الاشمئزاز أن الممدد له في المجلس الوطني للإعلام، لم يتحرك يوماً ضد أي قضية تطال الحريات وتروج لمواقف عنصرية مخزية! ولئن نقل محفوظ عن المر أنه عاتب على ديما صادق وأن الأخيرة اعترفت بخطئها، نفت صادق لاحقاً وأكدت على حسابها على وسائل التواصل أنها عبرت عن قناعاتها ومتمسكة بها.
وبعد، يحصد الوباء المتفشي المزيد من الضحايا كل يوم، ويتأكد كل حين أن الكارثة كان يمكن التخفيف من حجمها لولا الإدارة الفاشلة التي تبارى أطرافها، وبالأخص وزير الصحة، في المؤتمرات الصحفية وإنفاق الأموال دون أي تحضير حقيقي لحماية الأرواح. والواضح أن الآمال معلقة على اللقاح الذي يصل كمية ضئيلة منه السبت، لكن الأمر المستغرب أن البدء في التلقيح يتناول رئيس الجمهورية ورئيسي الجلس والحكومة، أي باعتماد القفز فوق البروتوكول العالمي، وهو أن الأولوية للمعرضين أولاً للإصابة، أي الجيش الأبيض من أطباء وجسم تمريضي.. وحتى تكتمل الصورة يتردد أن جهات مسؤولة حصلت سراً على لقاحات تم توزيعها على الخاصة وبعض الحاشية!
في هذا التوقيت، أعلن المستشفى الأميركي الشهير “جون هوبكنز” أن لبنان بلغ المرتبة العالمية الأولى في عدد الإصابات بوباء كورونا وذلك نسبة إلى عدد سكانه. وما زال التعاطي الرسمي أن الأمر مجرد قضاء وقدر، كما تعاطوا مع جريمة تفجير المرفأ وتفجير بيروت. وكشف د. فراس أبيض أن معدل الإصابات مرتفع جداً وهو 21%، وحذر من أن المتحور البريطاني الأكثر عدوى موجود بقوة وأن الضغط سيستمر على المستشفيات في المستقبل المنظور.
ويستمر ظاهرياً الانشغال بتأليف الحكومة، والبلد في فراغ كامل منذ العاشر من آب بعدما أسقطت جريمة الحرب ضد العاصمة الحكومة الواجهة، وتطول الأحاديث عما يبحث الحريري في الخارج وما الجديد الذي سيحمله اللقاء مع الرئيس الفرنسي ماكرون.. ويطل فريق القصر للقول أن الحريري ولو جال ال7 بحور، فطريق التأليف يمر في بعبدا، ويحيلون قلة من المتابعين على حكاية الأصول الدستورية وقد تم عملياً نقل الكثير من صلاحيات مجلس الوزراء إلى مجلس الدفاع الأعلى! فيما حقيقة الأمر أن طهران الممسكة كلية بالقرار، تريد الاستفادة من مرحلة إنتقالية تعيشها الإدارة الأميركية الجديدة في واشنطن لتعزيز أوراق التفاوض، والمؤسف أنه ارتهان مع منظومة الفساد بات لبنان مجرد ورقة. ولافت جداً أن طهران أطلقت هجوماً سياسياً عسكرياً من بيروت إلى صنعاء! إنها استراتيجية النظام الإيراني في التطبيق. التعامل مع وضع المنطقة على قاعدة القضم والتفاوض اللاحق، والمخطط في لبنان دفع الحريري إلى مزيد من التنازلات وقد تبين حجم تبادل الأدوار بين بعبدا وحارة حريك..فيما إقليمياً شهد العالم صواريخ الإجرام تطال مطار أبها المدني في السعودية!
تجاوز الوضع إمكانية التأليف في المدى المنظور، لهذا بالذات توجه الراعي ناحية الأمم المتحدة طالباً بمؤتمر يثبت وضع لبنان والجمهورية، وبتطبيق القرارات الدولية لأن في ذلك الضرورة كما الواجب، لحماية الأرواح، والحرية والرغيف، ووضع البلد على طريق إنتشاله من القاع الذي دفع إليه! وبغض النظر عن كل الوضع الدولي وإختلاف الآراء الداخلية، فقد بات هذا الأمر مطروحاً ويلقى أوسع التأييد المحلي.
وبعد البعد يستمر توقيف العديد من الناشطين على خلفية أحداث طرابلس، وتستمر الضغوط والملفات خاوية، ويستمر رفض التجبر والممارسات الهادفة إلى كسر إرادة شبان، كل جريمتهم أنهم رفضوا الظلم ورفضوا الرضوخ للفساد والفاسدين، ورفضوا رميهم بالجوع ودفعهم إلى الموت على السكت!