حنا صالح – حالة من السوريالية تضرب البلد. أطراف منظومة الفساد يتناحرون على احجامهم اللاحقة، ورئيس الجمهورية يصعد ويشتم بالصوت والصورة الرئيس المكلف الحريري وينعته بالكذب، فيما يظهر رئيس حكومة تصريف الأعمال ارتياحه لهذا التطور!..والحصيلة لا التفات إلى وجع الناس والانهيارات المتلاحقة بل عجز حتى عن التوافق على المحاصصة، والمضي بعيداً في نهج الانقلاب على الدستور من خلال الإصرار على إدارة الشأن العام عبر واجهة مخروقة هي حكومة تصريف الأعمال، ومنح المجلس الأعلى للدفاع دوراً يفوق المنصوص عليه في القانون!
بالمقابل اتسع الذعر بين الناس، الذين راحوا يتدافعون في السوبرماركات وأمام الأفران للتموين عشية الطواريء التي ستبدأ فجر الخميس ولمدة 10 أيام بهدف الحد من الإختلاط والحؤول دون استمرار التصاعد في نسب الإصابات، وبدا المشهد “كورونياً” بامتياز تسببت به أولاً وأخيراً السياسات القاصرة في مواجهة أخطر تفشي وبائي عرفه البلد!
وفي سياق نهج عدم أخذ حياة الناس بعين الاعتبار، وبعد الكشف أن كل اللقاحات التي سيتم التعاقد بشأنها في الأيام الآتية من شركة “فايزر” هي 60 ألف لقاح لزوم 30 ألف شخص، وزعت معلومات لم تنفيها أي جهة، مفادها أن هذه اللقاحات ستخصص حصراً إلى “الوزراء والنواب ومن ثم المدراء العامين ومن يليهم بالترتيب الاداري كما سيشمل القوى الأمنية والمسلحة”(ربما المقصود كبار الضباط)..وهذا دليل إضافي على فجور المتحكمين الذين يرون في اللبنانيين شعب زائد ليكن مصيره الموت!
منظومة الفساد التي تأكد افتقارها لأي مرجعية علمية –إدارية –سياسية موثوقة، تنتقل اليوم من مرحلة عشوائية الاجراءات التي جعلت البلد مرتعاً للوباء، إلى التآمر المباشر الفظ والوقح على حياة الناس! في السابق كانت أولوياتهم خدمة مصالح خاصة على حساب الشأن العام ما عزز منحى عام من عدم الاكتراث نتيجة فقدان الثقة! واليوم الدليل على الاستهتار ما تم الكشف عنه من معلومات بشأن استيراد لقاحات صينية وروسية وإنكليزية، في مرحلة لاحقة، وأكد د. جاك مخباط هذا الاتجاه عندما أعلن أن المهم توفر اللقاح حتى ولو نسبة فعاليته 50 أو 60%(!!!) وهذه إشارة إلى اللقاحات الصينية والروسية التي لم تحصل على إجازة من منظمة الصحة العالمية!
باختصار اللقاح الفعال المعتمد عالمياً سيخصص لمنظومة الفساد، التي وضعت نفسها فوق اللبنانيين، وصنفت نفسها فوق القوانيين وفوق كل الأولويات المعتمدة في كل العالم، والتي قضت بأن الأولوية هي للجسم الطبي خط الدفاع الأول، ومن ثم المصابين بالأمراض المزمنة وكبار السن، ثم عمال الديلفري وعمال النظافة والصناعات الغذائية إلخ..اليوم قبل الغد، على فريق المحامين الذين تابعوا ملفات الإدعاء على الثوار واستهدافهم أمام مسؤولية الدفاع عن حياة الناس والمطلوب حشد الأدلة للإدعاء على الفريق الحكومي الذي تسببت ممارساته بهذا التفشي ومن ثم هذا التحدي لحياة اللبنانيين والاستهتار وموضوع اللقاح أمام القاصي والداني!
ومع الإشارة السلبية التي حملها إعلان الطواريء نتيجة بقاء استثناءات الكبيرة، فقد تقدم المخطط الانقلابي على تكليف الحريري على ما عداه، والضغط جلي لمنعه من تأليف الحكومة مهما كان الثمن، فالفيديو المسرب عن حديث عون مع دياب بدأ يثير ردات فعل كبيرة جداً بين التيارين الأزرق والبرتقالي ودخل الاشتراكي بعنف على خط الفيديو – الفضيحة ليصف المشهد ب”حالة عبثية ووباء خبيث”.. ورغم أن القصر الذي فاجأه التسريب، وزع معطيات مفادها أن الحديث مجتزأ، فهو لم يوزع “الفيديو الحقيقي” الموجود لديه! فيما انتشرت على مواقع التواصل صور التغريدات السابقة للرئاسة وفيها أن الحريري سلم عون تشكيلة حكومية من 18 وزيراً!
هنا نفتح مزدوجين كي نشير إلى بعض الأساسيات في موضوع التأليف الحكومي. في نقاشات الطائف اعتبر النواب أن الاستشارات النيابية الملزمة للرئيس هي بمثابة انتخاب رئيس للحكومة، والانتخاب يعني تكليف بمسؤولية التأليف، ويعود لمن انتخب للتأليف ( أي النواب) إما منح الثقة لمن قرروا تكليفه أو حجب الثقة فتسقط الحكومة ويذهب إلى بيته! فيما أن أحداً لا يسائل رئيس الجمهورية أياً كانت اشتراطاته و”حصته” ولا حصص له في الدستور.. وقال الدستور أن الرئيس عندما يحضر يترأس ولا يصوت، ومع بدعة تمثيل الرئيس بوزراء يختارهم، بات له أكثر من صوت في مجلس الوزراء وهذا لم يرد لا في النقاشات ولا في الدستور! أما المطالبة بسقف زمني للتأليف، فالموضوع طرح فعلاً في الطائف، واتفق من وضع وثيقة الوفاق الوطني أنه سيكون هناك بالتأكيد حسن نية بين كبار المسؤولين لتوفير سلطة تقود البلاد في أقصر وقت ممكن..أما تحديد مهلة زمنية( وهذا ما أكد عليه الراحل صائب سلام وقد تم اعتماده دون أي تحفظ) فهذا الأمر يضع الرئيس المكلف تحت ضغط رئيس الجمهورية وشروطه، وقد يرفض الموافقة على مرسوم التأليف، فتطير المهلة ويطير التكليف!
وبعد أعادت محكمة التمييز ملف التحقيق في جريمة المرفأ إلى قاضي التحقيق العدلي فادي صوان، وبذلك ردت أحد الطلبات التي تقدم بها وكلاء النائبين علي حسن خليل وغازي زعيتر، وكان يهدف إلى وقف القاضي صوان عن متابعة مهمته..وطالبته باستكمال التحقيق بانتظار البت بطلب “الارتياب”.. وبعدما امتنع صوان عن متابعة التحقيقات كموقفٍ أخلاقي، مطالب من اليوم بتنشيط آلية التحقيق والملاحقة وتوسيع الادعاءات فالجريمة التي يحمل أمانتها، هي الأفظع في تاريخ لبنان، فلتكن المدخل للتأكيد على استقلالية القضاء ولإفهام الفاجرين المتحكمين أن لا أحد فوق القانون.. حتى يكون القضاء رافعة أولى في معركة اللبنانيين استعادة الدولة المخطوفة بالفساد والسلاح!