سركيس نعوم – يُتابع المتابعون من قرب حركة “حزب الله” الداخلية كما الإقليمية وحتى الدولية شرح ما يعتقدون أنه رؤيته أو تحليله للأزمة الحكومية الراهنة فيقولون: “الفساد لا يقتصر على فريق دون آخر ولا على مسؤول دون آخر ولا على منتمين الى طائفة ومذهب معيّنين أو منتمين الى طوائف ومذاهب أخرى. وبهذا المعنى لا يمكن إبعاد شبهة الفساد على النائب جبران باسيل رئيس “التيار الوطني الحر” وصهر رئيس الجمهورية.
إعلان
كما أن المغالين في العداء للأخير يشملونه بهذه الشبهة وإن من دون أن يقدّم أحدٌ منهم معلومات أو معطيات دقيقة عن هذا الشأن سواء للناس عبر الإعلام أو للقضاء عبر “الإخبارات” التي صار بعضها “مضحكة” للبنانيين وعنواناً للكيدية في الحياة السياسية اللبنانية. لهذا السبب فإن الهدف الأول لباسيل هو فتح ملف أخصامه بدءاً برئيس مجلس النواب و”حركة أمل” وشريك “حزب الله” في الثنائية الشيعية نبيه بري والزعيم الدرزي الأبرز وليد جنبلاط وانتهاءاً بآخرين من خلال تولّي محازبٌ في “تياره” أو موالٍ له مئة في المئة وزارة العدل.
طبعاً هو يُحرج بذلك حليفه “الحزب” الذي يعتقد مثلما يعتقد اللبنانيون كلهم أن الطبقة السياسية فاسدة كلها. ذلك أنه لا يستطيع أن يعطي الضوء الأخضر لباسيل أو لغيره كي ينفّذ هذا “الإصلاح الكيدي” لأنه غير شامل، ولأنه في الوقت نفسه يضرب وحدة الطائفة الشيعية التي يشكّل المستهدف بتهمة الفساد الشريك الأول بل الأوحد لـ”حزب الله” في الطائفة الشيعية. فالإثنان يمثلان غالبية ساحقة في طائفتهما، ولا تقل شعبية أي منهما عن شعبية الآخر رغم أن لـ”الحزب” مَوْنة أكبر على القرار الشيعي أولاً بسبب نجاحه في تحرير الجنوب من الاحتلال الإسرائيلي المُزمن، وثانياً بسبب تأسيسه جيشاً صار قوة كبرى ذات مهمات جسيمة في الإقليم، وثالثاً لأنه جزءٌ من إيديولوجيا إيران الإسلامية التي تعلّق بها الشيعة في أنحاء العالم عموماً لأسباب بعضها ضاربٌ في التاريخ وبعضها الآخر حديث. ورابعاً لأنه يرفض اقتتال أبناء الطائفة وإسالة دماء المنتمين إليها في ظل استحالة قبول شعبية بري استهدافه وسمعته كما استهداف أبناء بيئته بتهمة الفساد، رغم علمه أن فيها كما في البيئات الطائفية والمذهبية الأخرى فسادٌ مماثل وربما على نطاق أوسع”.
في هذا المجال ينقل المتابعون أنفسهم كلاماً سمعوه من محيط “حزب الله” “يؤكد عدم استعداده في هذه المرحلة الحرجة للتورّط في لعبة الدم وتالياً لفرط وحدة البيئة الشيعية الحاضنة له في غالبيتها الساحقة ولشريكه في السياسة الداخلية بري”. ويضيفون: “رئيس الجمهورية ميشال عون و”التيار الوطني الحر” خسرا كثيراً على الصعيد الشعبي. بعد “ثورة 17 تشرين الأول الماضي، وبعد انفجار مرفأ بيروت أو تفجيره في 4 آب الماضي وخصوصاً في الشارع المسيحي.
علماً أن الانتخابات النيابية لم يعد موعدها بعيداً. لا شك في أن باسيل و”التيار” لن يحققا فيها ما حقّقاه في الانتخابات الأخيرة. وهذا هو سبب فتحه ملف الفساد، إذ أنه يستعيد بذلك شعبيةً تمكّن “تياره” من إيصال عدد كبير من أعضائه وأنصاره الى مجلس النواب تماماً مثلما فعل في الانتخابات السابقة. وقدرته على تحقيق ذلك ترتبط بوجود العماد ميشال عون في قصر بعبدا رئيساً للجمهورية وبكونه يؤمن به مئة في المئة ولا يمانع في استعمال رصيده كله لإنجاحه في الانتخابات تمهيداً لإيصاله الى رئاسة الدولة.
يعني ذلك إفادته من القضاء غير المستقل رسمياً وحتى فعلياً، رغم وجود عدد كبير من القضاة النزيهين، الذي يمسك بمفاصل مهمة فيه مؤيّدون لعون وأنصاره كما إفادته من مؤسسات أخرى متنوّعة. ونجاحه في حملته على الفساد، علماً أن ذلك موضع شك كبير، يفتح له أبواب قصر بعبدا لاحقاً. الى ذلك” يلفت المتابعون أنفسهم: “يحاول باسيل الإفادة من العقوبات التي فرضتها إدارة ترامب في أميركا عليه قبل انتهاء ولايتها بمدة قصيرة،
كي ينجح في استعادة علاقة التحالف الثقة مع “حزب الله” التي قامت في شباط 2006 بين مؤسّس “التيار” الرئيس عون حالياً وعدد من كوادره كان هو الأبرز بينهم أو ربما الأكثر حركةً ونشاطاً من أجل التوصل الى “تفاهم مار مخايل”. كما كي ينجح في توظيف ذلك في الانتخابات النيابية المقبلة وفي قضايا أخرى”. لكن السؤال الذي يطرح نفسه الآن هو هل ينجح باسيل في استعادة ثقة “الحزب” وتأييده؟ يجيب المتابعون من قرب الحركة المتنوّعة للأخير بالقول: “لا ينسى “الحزب” ما فعله به باسيل في الانتخابات النيابية الأخيرة سواء في جبيل حيث تسبّب عمداً بإسقاط مرشّحه الرسمي هناك أو في البقاع الشمالي (بعلبك – الهرمل) أو في مناطق أخرى. كما لا ينسى انتهاجه خطاً سياسياً – مسيحياً تعبوياً كان “الحزب” المتضرّر الأساسي منه. حتى “الصوت التفضيلي” الثاني رفض باسيل إعطاءه لحليفه أي “الحزب”. ولو فعل ذلك لكانت النتائج أفضل. إن “الحزب” يساعده وفقاً لمعلوماتٍ موثوقٍ فيها بسبب العقوبات التي فرضتها أميركا ترامب عليه، ورغم ذلك فإنه مستمر في الضغط على “الحزب” باتهامه في تصريحات له وتغريدات “بإقامة” دولة داخل الدولة، وبمنعه “التيار” ومؤسسه من إقامة الدولة…” الى آخر ما هنالك من اتهامات. في أي حال يُدرك “حزب الله” أن باسيل كشف أوراقه كلّها أمام الجميع في الداخل والخارج. علماً أنه مكشوف أساساً، وخصوصاً أمام الذين يدقّقون قبل فرض عقوباتهم على فردٍ أو جهة أو كيان أو دولة، مثل الولايات المتحدة.
واللبنانيون يعرفون ذلك ويعرفون أيضاً أن باسيل لا يقل فساداً عن كثيرين آخرين. لهذا السبب إذا أُلّفت حكومة ونال عون و”تياره” ورئيسه باسيل حقيبة العدل وعدد وزراء يؤمّن لهما الثلث المعطّل الذي يسمّيه “حزب الله” الضامن فإنهم سيتابعون معركة الفساد الهادفة الى النيل من الرئيسين بري والحريري والزعيم الأبرز جنبلاط. لكن هؤلاء لن يسكتوا وسيفتحون للرئيس والصهر ملفات موثّقة وكذلك لخلفي باسيل في وزارة الطاقة سيزار أبي خليل وندى بستاني ولآخرين في وزارات وإدارت أخرى”. هل حارب باسيل تكليف الحريري تأليف الحكومة؟
المصدر: «النهار»