1. Home
  2. زوايا
  3. حوادِث السَّيْر والأخلاق
حوادِث السَّيْر والأخلاق

حوادِث السَّيْر والأخلاق

200
0

هادي المحمود – خُلُق كلّ أُمّة هو عِلّة تطوّرها في حياتها وهو الّذي يُقرّر مستقبلها وهو موجود على الدّوام خلف العوامل الّتي فرضها النّاس سببًا لأعمالهم.” – دكتور فرنسي وعالِم اجتماع غوستاف لو بون. سأركّز في المقالة على مِنهج الأخلاق الاجتماعي لتطبيقه على واحدة من الظواهِر المُهمّة في سيْر حياتنا اليوميّة. ظاهرة حوادِث السَّيْر، وما يُمكن فعله للتّخفيف من كوارثها المُستمرّة. تعود العوامل الرّئيسة لهذه الظاهرة إلى: • أخلاقيّات الأفراد والمجتمع في المرتبة الأولى.

• القوانين الصّارمة غير الفعّالة.

• خرق الأنظمة.

• ندوات غير كافية للتّوعية.

مِن المعروف جيّدًا أنّ للمركبات الآليّة على كافة أنواعها بحاجة قانونيًّا إلى رخصة قيادة، بعد تدريب جدّي ثمّ الخضوع لامتحان القيادة وتقييم الفرد ما إذا كان يُطابِق المواصفات المؤهِّلة للسّماح له بالقيادة. لكن، مِن أسوأ ما في إداراتنا غير الخاضعة للرّقابة الجادّة أنّها لامبالية، إذ إنّك تستطيع الحصول على الرّخصة القانونيّة بمبلغ زائد عن المبلغ المُحدَّد رسميًّا، فيكفي إثبات وجودك فقط في المكان الذي يجري فيه الامتحان والتّقييم، نعم ما أشير إليه هنا حتمًا هو ( الرّشوة ).

يأتي بعد ذلك، القوانين الصّارِمة الّتي تُنَفَّذ على البعض لا على الكل، ولا على من يستحقّونها فعلاً، فالمخالَفة يدفعها المواطِن إلى خزينة الدّولة دون جدوى أو تحقيق لأيّ تقدّم نحو تخفيف الحوادِث. ويقول أيضًا د. لو بون : ” لا بقاء لِحضارة من دون أخلاق، فمهما اشتدّت صرامة القانون لتأييد مبادئ الأخلاق، لا تُعَدّ شدّتها غلّوًا.”

إذًا لا فائدة مِن زيادة التّشدّد والإفراط بصرامة القوانين، لأنّه ليس حلاً جذريًّا ولا ينفع في تقويم الأخلاق الّتي هي مبدأ سلوك المجتمع، بل على العكس يتمّ خرق الأنظمة القائمة جحودًا. صحيح أنّ النّدوات وحلقات التّوعية الخاصّة بنشر معلومات وتوجيهات عن مدى تأثير الكحول، وأمور أُخرى كتحديد السّرعة القصوى، احترام الاِشارات المروريّة، الإلتزام بوضع حزام الأمان وما إلى ذلك من أمور روتينيّة.

قد بَيّنْت فيما سبق العوامِل مع حلول واضحة لها، بالإمكان استنباط الحلول بشكل جليّ، تبدأ مِن رقابة جدّيّة وتطبيق قوانين إلزاميّة دون تفرقة بين المواطنين، وليس الزّيادة بتشديدها ، لأنّنا يجب التّركيز على تقويم الأخلاقيّات. وقبل أيّ شيء، القيادة تربية وأخلاق فرديّة مرتبطة كالسّلسلة بين أفراد المجتمع الواحد.

انظر إلى أخلاقيّات المجتمع الياباني على سبيل المثال. هناك أمرًا كثيرًا ما يغفل عنه القائمون على حملات التّوعية تلك، وأرجو أن يُضاف إلى برامج التّوعية: قام الباحثون في عِلم الدّماغ والأعصاب بتجارب على النّوم وأهمّيته ومدى ارتباطه بحوادِث السَّيْر. حيثُ أظهرت الإحصاءات بأنّه يقع في الولايات المُتّحدة الأميركيّة كلّ عام نحو 1,2 مليون حادِث سيْر بسبب النّعاس.

إنّ قلّة النّوم له تأثير لا يقلّ خطرًا عن الكحول، إذ إنّ (اللوزة الدماغيّة) المسؤولة بشكل مباشر على الإنفعالات وارتباطها بهرمون (قاتل أو اهرب) الكورتيزول، فقد بيّنَت دراسة تجريبيّة بالمسح الدّماغي على أشخاص حُرِموا من النّوم، أشارت النتيجة إلى أنّ هذه اللوزة الدماغيّة أطلقت زيادة في نشاطها بنسبة 60% ممّا أوضح سبب الغضب غير المُبرَّر في السّلوك اللاعقلاني. أمّا في حالة النّوم الكافي (8 ساعات كما توضح الدّراسات) بيّنَت أنّه أصبح هناك توازن بين القشرة في القسم الجبهي لدى الدماغ (المسؤول عن العقلانيّة والمنطق والإنتباه والتّركيز) وبين اللوزة، حيثُ أنّه قد نَظَّمَ وضَبَط عمل اللوزة بشكل طبيعي.

وما ينشأ عن اختلال النّوم أيضًا ما يُسمّى (الهفوات) النّهاريّة أثناء القيادة، فالحادث لا يأخذ سوى أجزاء من الثانيّة، فبين الأجزاء مِن الثّانية والهفوة تقوم الكارثة، لأنّ عضلات الجسم تتوقّف عن أداء عملها خلال هذه الهفوة القليلة، بالتّالي، تؤدّي إلى غفلة عن استخدام المكابح، وتعرّض الفرد والآخرين إلى حادثة مأساويّة اجتماعيّة. إذًا يُمكننا استنتاج ممّا سَبَق أنّ السّلوك الأخلاقي والعامِل الفيزيولوجي هما أسباب رئيسة في تحديد عدد الحوادِث، وبالإمكان إعادة تأهيل وتقويم المجتمع من جديد ثمّ اختبار النتائج ومقارنتها عبر الإحصاء. فإمّا التّخفيف من تلك الحوادِث المميتة الكارثيّة، وإمّا استمرارها بل وازيادها.

باحث اجتماعي