حنا صالح – قُضي الأمر، مصطفى أديب المعروف جيداً من بري وباسيل والفرنسيين، سوقه ميقاتي وأذاع السنيورة بيان ترشيحه باسم رؤساء الحكومات السابقين سيكون بعد ساعات الرئيس المكلف لتشكيل اول حكومة لبنانية في بدايةً المئوية الثانية! في “طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد” يقول الكواكبي إن “السياسة هي إدارة الشؤون العامة بمقتضى الحكمة، والاستبداد هو التصرف بالشؤون العامة بمقتضى الهوى”.
إنه “الهوى” بكرسي الحكم طالما أن الفساد هو “دي.آن. آي” السلطة، عندها يصح في المنظومة المتجبرة المسيطرة عبارة يرددها رفيق خوري: كلهم آل البوربون الذين قيل بعد عودتهم إلى السلطة أنهم “لم ينسوا شيئاً ولم يتعلموا شيئاً”! لكن ومن أجل تبيان الحقيقة من المبكر القول أن من رَشَّح عاد إلى السلطة، لأنه بعد كل هذا الانهيار، وبعد جريمة الحرب في الرابع من آب، الجريمة ضد الانسانية وتداعيات هذا العمل الارهابي وتتالي الدلائل والرسائل والأبعاد والمسؤوليات السياسية، والتي عاد رئيس الجمهورية ليلاً مستبقاً التحقيق والقضاء لاعتبارها تفجيراً وليس جريمة، وبعد حكم المحكمة الدولية وكل حيثيات الحكم ودلالاته على حزب الله، ومن ثم قرار التجديد لقوات اليونيفل مع التعديلات التي أقرها مجلس الأمن الدولي والتي من شأنها تعزيز الاستقرار جنوباً، فإن اختيار مصطفى أديب لرئاسة الحكومة أشبه باختيار حارس جديد لثروات ميلياردارية البلد، وهو تأكيد للمؤكد من أن ما يهم مافيا الحكم ليس هموم البلد وناسه، ولسلوكهم مغزى مقيت أبعد بكثير من التسليم بأن هذه المنظومة عصية على التعلم! إنهم يريدون العودة بالبلد إلى ما قبل 17 تشرين وكلهم إصرار على القفز فوق جريمة الرابع من آب، وتظهر كل التحركات التي استبقت اكتشاف الوديعة الجديدة لرئاسة الحكومة، أن كل الأطراف تعاملوا مع جريمة الحرب أنها فرصة لهم للاستمرار في اللعبة وكأن شيئاً لم يكن؟ وأليس أمراً خطيراً مواجهة الشارع الغاضب بكل هذا الازدراء؟ لا بل يبدو أنه كان منتظراً فالطبقة السياسية تعيش حال إنكار، ومعروف أنه لم يتجرأ أي مسؤول وعلى أي مستوى كان من النزول إلى الشارع ورؤية الوضع والاستماع إلى الناس حيث تقف الجموع بحزن وأسى أمام جني العمر المهدم بفعل التفجير المدمر عن سابق تصور وتصميم! لكل ذلك هذا الاكتشاف – النفاق، ليس من شانه إلاّ بقاء البلد في الحضيض! بالتأكيد مع برلمان مزور للإرادة الشعبية وفاقد للشرعية، ومع ميزان قوى من هذا النوع، كان مستبعداً أن تقدم منظومة الحكم أي تنازل بشأن الموقع المحوري في السلطة، كالذهاب إلى تكليف شخصية سياسية برئاسة الحكومة، تكون قادرة على استعادة دور السلطة التنفيذية ودور رئاسة مجلس الوزراء، بما يفضي وإن بصعوبة إلى خطوات توقف الانهيار، وتنتشل لبنان من صراعات المحاور وإعادته إلى موقعه الطبيعي في قلب العالم العربي والانفتاح على أصدقاء لبنان في العالم، لأنه دون ذلك سيتعثر إعادة إعمار ما تهدم في العاصمة، وقبل كل شيء سينكسر الناس مع عدم القدرة على تلبية الاحتياجات الأولية من غذائية واستشفاء!! بثقة يمكن الجزم أن ثنائي الحكم في بعبدا والضاحية ومعهم رئيس مجلس النواب، واستفادتهم من منحى فرنسي قدم من البداية الاستقرار تلافياً لتسونامي هجرة، مرفقاً مع توافقاته مع طهران ، ما كان بوسعهم إعادة استنساخ حالة كاريكاتورية سابقة لولا الأداء الذي ارتكبه رؤساء الحكومات، كلهم خافوا إسم نواف سلام، لأنه الشخص الذي يحوز على المواصفات التي حددتها ثورة تشرين بما يؤهله إلى قيادة المرحلة الانتقالية للانقاذ. ويسجل تذاكي الميقاتي، وبالمناسبة كان دياب وزيراً في حكومة القمصان السود التي ترأسها النجيب، فيما أديب كان مستشاره قبل أن يكافأه بترقيته إلى رتبة سفير في بلد محوري هو ألمانيا! ويسجل أيضاً أن الجماعة لم يغادروا التسوية الرئاسية التي عجلت في انهيار البلد! في ميزان الربح والخسارة سيزداد عدد المتحاصصين في الحكومة، لكن المفتاح سيبقى بيد بري – نصرالله وباسيل..ولن تكون الحكومة معزولة كسابقتها،ا لكن لن يتغير الكثير على أرض الواقع رغم النكهة الفرنسية المرافقة للتكليف وربما سترافق التأليف، والثابت أن بعض من كان يظن أن هناك قوى من صلب منظومة الفساد لا تعيش حالة الانكار كالآخرين لا بد وأنه أصيب بخيبة! وبعد نعود إلى ثورة تشرين التي تمكنت من المساهمة مرتين في إسقاط حكومتين خلال 10 اشهر، للتأكيد أن المسار الذي بدأ في 17 تشرين لا بديل عنه، ومحاولات الرشوة ستتضاعف في الأيام الآتية، ومنظومة الفساد مهما تجبرت تخاف شبح الثورة وصدقها ورسوخ شعاراتها في وجدان الأكثرية الشعبية. وانفكاك هذه الأكثرية عن محاولات المتسلقين اللاهثين وراء موقع ما، يجب أن يشكل درساً لكل الذين ما انفكوا يولون التركيبات الفوقية لما يعرف ب”المجوعات” الأولوية، فيما الأساس ينبغي أن يكون الدفع لإيجاد شبكة أمان، تساهم في حماية الثورة، وتساهم في بلورة ميزان قوى، بدونه سيستمر أهل الفساد في خلق الودائع، والاصرار على بقاء البلد في نفق مظلم. وبالنهاية وبعد هذا الانكشاف لكل الطبقة السياسية، ينطبق على الثورة مبدأ ديالكتيكي صريح وهو أن التراكم الكمي مهما كان بطيئاً سيفضي إلى التحول الكيفي، وحين تتبلور نضجاً وإمكانات الظروف الثورية لدى الكتل المتضررة الواسعة جداً وفي المدن والبلدات عندها سيقترب البلد بسرعة من إنجاز مسألة التغيير!