حنا صالح – وتستمر المهزلة، حشو الادارة بالأزلام والزعم أنها خطوات إصلاحية. أمر بلغ مستوى متقدماً أمس عندما أقدمت حكومة الدمى على تنفيذ المحاصصة الحزبية الطائفية المتفق عليها بين مشغليها،والتي تعتبرهذا القطاع من “المكاسب” الخاصة، علماً أن كارثة الكهرباء تتصدر كل أسباب الانهيار الكبير الحاصل في لبنان. فبصمت ولأول مرة على تعيين أعضاء مجلس إدارة للكهرباء بدون الرئيس! لأنهم قرروا الابقاء على كمال الحايك رئيساً لمؤسسة كهرباء لبنان! وهذا “إنجاز” يسجل للبروفيسور، لكنه نموذج من “إنجازات” التيار العوني في المؤسسة، فالحايك هو أيضاً من جماعة “ما خلونا نشتغل”، وهو على رأس المؤسسة منذ أكثر من 20 سنة، كان قد اكتشفه ميشال المر وتبناه النظام الأمني أيام إميل لحود وعينه في هذا الموقع.
للمفارقة تسلم الحايك الكهرباء وكانت التغزية ما بين 20 و22 ساعة في اليوم لتصل في أيامه إلى أقل من 3 ساعات في العاصمة وصفر في كثير من المناطق، غير أن الأهم أن الدين الذي تسببت به الكهرباء حتى العام الفين كان بحدود ملياري دولار فقط، ليصل مع إعادة تعيين الحايك إلى 47 مليار دولار! كان الحايك خلالها المنفذ الأمين للسياسات التي اتبعت، لا سيما من 6 وزراء من التيار تعاقبوا تباعاً على هذه الوزارة منذ العام 2008!
إنه منحى السلبطة والسطو على قطاع الطاقة إدارياً كما وزارياً، ويكتمل المشهد مع التعديلات التي أدخلها الوزير غجر على مشروع الهيئة الناظمة وهي خطوة إصلاحية مفترضة، فمع التعديلات تبقى كل الصلاحيات بين يدي الوزير وتتحول الهيئة إلى مستشارين إضافيين لمعاليه!هذا المنحى الذي يتجاهل عمداً كل أوضاع البلد من انهيارات ومجاعة، وإصرار على سياسة الارتهان والإلحاق، يعيدنا إلى الحديث الأخير للبطريرك الراعي الذي وصف معظم المتعاطين بالشأن السياسي من الطبقة السياسية، بأنهم يعملون لمكاسبهم الرخيصة ومصالحهم وحساباتهم الشخصية، وأن هاجسهم إخفاء مسؤوليتهم عن فراغ خزينة الدولة، ويمعنون في منع أي إصلاح حقيقي في الادارة، لأنهم توافقوا على نهج المحاصصة وتوزيع المكاسب على حساب المال العام، فزرعوا في الادارة الأزلام والوزراء الذين يوقعون على بياض لولي نعمتهم، والنتيجة يحصدها المواطن ويلمسها في عيشه وغياب الاستقرار الاجتماعي، لا بل في فقدان الرغيف وقد تمت إعادة البلد إلى العصر الحجري!ومع انتشار الصور المتخيلة عن التطور الزراعي على سطوح بيروت، ومواسم الخير الآتية أطل أمين عام حزب الله ومناسبة الخطاب أن البلد على مشارف ذكرى حرب تموز.
جيد أن الخطاب تطور من حكايات الصواريخ الدقيقة إلى الارشاد الزراعي، لكن مهلاً ينبغي التوقف أمام المنحى التهكمي على المؤهلات اللبنانيةلصالح إعلاء شأن إيران عندما اعتبر أن مؤهلات أبناء لبنان لا ترقى إلى التشبه بالنموذج الايراني، فابشروا!الطريف أن اي من الطبقة السياسية الذي تولى النصح والارشاد بالعودة إلى الأرض والزراعة وكذلك الصناعة، لم يتنازل ويخبرنا عن إنجازات فريقه في هذا المضمار.
وبالأمس على جاري العادة فات الخطيب أن وزارتي الزراعة والصناعة من حصة فرقه أو أقرب الحلفاء منذ سنوات وفي الذاكرة أمرين: مشهد المزارعين يرمون المواسم على الطرقات احتجاجاً على غياب الدولة عن دورها في تصريف الانتاج.. وبالمقابل إصرار وزير الصناعة الحاج حسن ومن خلفه حزبه على الترخيص لآل فتوش لاستباحة جبل عين دارة وتدميره وإلحاق الخراب في كل المنطقة، إسوة بكل المناطق التي تم استباحتها من أجل الكسارات والمرامل، ولو اقتضى الأمر السيطرة بالقوة على أملاك المواطنين بعد استباحة مشاعات الدولة!
ولم يعد غريباً اتهام المعترضين على سياسات ونهج حزب الله وما حمله للبلد من أوزار، أن يوصفوا ب”الانهزاميين” وب “أدوات أميركية” وقد فقدوا إرادة المواجهة أمام “شوية عقوبات وشوية تخويف”.. لكنه والحق يقال منح الكثير من الأوكسيجين والطمأنينة على الموقع إلى الحكومة – الواجهة، الحكومة المطية المنفذة لأخطر السياسات على حساب المصلحة الوطنية ومصلحة المواطنين وعلى حساب السيادة الوطنية!عود على بدء، نهج الاعتراض الذي مثلته ثورة تشرين هو اليوم وأكثر من أي وقت البوصلة والمنارة، وعناوين النهج المغايرة لكل الأداء السائد من جانب الطبقة السياسية، هي سلاح الناس الذي يصبح أكثر فعالية كلما تقدمت عملية التنظيم وتلاقي القوى ذات المصلحة بالتغيير السياسي، فيما الزمن يقدم يومياً نماذج من المتسلقين، الذين هم أشبه بفوشة كبد يتداعون في غياب الساحات لتركيب قيادات وهمية بأمل أن تحجز لهم كرسياً في قادم الأيام، وبعضهم بتواضع يشكل حكومات، كأن البلد في سباق تسلية ..هذا المنحى سيتسع ويزداد ومن شأنه التشويش على المشهد الحقيقي، ولا يمكن لهذه الغمامة أن تنقشع إلاّ بتحمل القوى الجادة مسؤوليتها، إن في عملية التنظيم المفضية إلى التفاعل مع الكتل البشرية، أو في بلورة البرنامج السياسي لاستعادة الدولة المخطوفة المهددة بالانهيار الكامل: بلد على الشمعة، ونقص حاد بالمواد الغذائية والأدوية والاحتياجات الأساسية وجوع زاحف..وارتهان. وأليس معبراً جداً أن أربعة مواطنين انتحروا خلال أقل من 36 ساعة رفضاً للمذلة ولم نسمع كلمة أسفٍ من مسؤول!