حنا صالح – يريدون البلد مساحة جغرافية، أرض يباب تم تهجير أهلها، فطاب المكان لأصحاب مشاريع الاستباحة. يغرقون البلد ويدمرون حاضر الناس ومستقبلهم من أجل تعويم مشروع الممانعة الذي لا يرى لبنان وأهله إلاّ ورقة في ملف خدمة هيمنة خارجية، وسبيلهم إلى ذلك من لا أولوية لهم إلاّ الكرسي وتركيبة حكومية هجينة أتوا بها لتنفيذ مخطط مرسوم: من يجوع عليه أن يموت من الجوع بدون حس..ومن يرفع الصوت ضد نهج إذلال الناس ونهبهم متهم بتعكير “السلم الأهلي، ومن يرفع صوت الاحتجاج ضد السلاح الفالت وانتهاك السيادة واستتباع البلد للخارج الايراني – السوري متهم بالعمالة والملفات جاهزة!
من الأخر، يحضرون مشروع رفع الدعم عن الرغيف والمحروقات وحبة الدواء والذريعة أن هذا المشروع هو الوسيلة الأفعل لوقف التهريب! شوف ياحبوب، التهريب عملية منظمة على أعلى مستوى بين أهل السلطة والدويلة والشركاء في كارتل الطحين وكارتل المحروقات، ومنعه لا يتطلب إقفال مئات معابر التهريب التي تقع تحت حماية الدويلة. يكفي بضعة عسكريين على المطاحن وخزانات شركات الوقود حتى يتغيير المشهد، وينبت الحشيش على معابر التهريب. أوقفوا هذه المسرحية التي يعرف المواطن كل الحقيقة. أما لمن يخطط لرفع الدعم دون بدائل ل80% من اللبنانيين، عليه أن يدرك أن الحد الأدنى للأجور بات يعادل نحو 110 دولارات، هذا لمن ما زال في العمل، ولن نتحدث عن نحو 50% أصبحوا جيش العاطلين عن العمل والذين فقدوا كل شيء، ورفع الدعم سيرفع سعر ربطة الخبز إلى 6 آلاف ليرة، وصفيحة المحروقات إلى أكثر من 50 ألف ليرة!
لنتذكر ان مشروع وزير الشوكولا فرض رسم 6 سنت على تطبيق الواتسب أفاض الكأس وأخرج الملايين، أما المشروع الخطير الذي تعده حكومة الدمى فسيخرج لبنان عن بكرة أبيه إلى الساحات. تذكروا جيداً أن الرغيف يساوي 50% من إجمالي غذاء أكثرية الناس وعليكم تحمل النتيجة.. وتأملوا جيداً الصورة التي نشرتها النهار اليوم: برادات اللبنانيين فارغة من الطعام وقد جمعت الصور ونشرتها “وكالة الصحافة الفرنسية”، ومثل هذه الصورة لم يشهد لها لبنان مثيلاً إلاّ في حرب العام 1914 بعد زحف الجراد، ويبدو أن جراد هذه الأيام أكثر خطورة! وتذكروا جيداً أن تآكل الرواتب الذي لم يتوقف، وقد طال رواتب حرسكم! في مرحلة من ثمانينات القرن الماضي انهارت الرواتب فأصدر قائد الجيش في حينه تدبيراً سمح للجنود بعمل آخر أيام الاجازة وكان العديد نحو ال20 ألفاً! طيب ما الممكن اليوم وهل من عبرة لمن يعتبر!
وبعد، تنعقد غداً طاولة الحوار كما يصر القصرأو لا، فلم تعد الحدث. العناوين تقفز فوق هموم الناس وجراح البلد، وتتجنب مسببات الانهيار العام وتتجاهل اتساع خارطة الجوع وما يمكن أن ينجم عنها. ورغم أن اللقاء يقتصر على المقربين من الحكم وقوى 8 أذار، فالخشية كبيرة جداً من انه تحت عناوين الحفاظ على “السلم الأهلي” و”درء القتنة الطائفية” أن يؤسس اللقاء لمرحلة تشريع قبضة النظام البوليسي.. حكم عاجز عن الاستجابة للحقوق وحماية الرغيف وحبة الدواء ولا يحسب أي حساب لكرامات الناس الذين بات الإذلال ينتظرهم حتى على أبواب مكاتب الصيرفة(..)، وغافل عمداً عن استنزاف الخزينة والمتبقي من الودائع التي يريدونها لدعم نظام الأسد، وغير عابيء بما يعنيه قانون العقوبات الأميركية “قيصر”، قد لا يتورع عن تسخير الأجهزة الأمنية والقضائية بشكل مغرضٍ، بهدف التدجين وكم أفواه المعارضين المحتجين السلميين، والتهم جاهزة من مجرد الشبهة وصولاً إلى مستوى الاتهام بالعمالة: الآن يتم استدعاء العشرات وأعداد الموقوفين غير محددة ..وحتى اليوم والمطالب معروفة في ضرورة محاربة الفساد واستعادة الأموال المنهوبة وودائع المواطنين المصادرة إلى المآسي في النفط والكهرباء والتهريب إلخ .. لم يشهد البلد أي استنفار قضائي في هذا الاتجاه، ليبلغ السيل الذبى مع الاتهام الموجه إلى العلامة السيد علي الأمين!
العلامة الأمين الذي حضر منذ فترة غير قصيرة مؤتمراً في المنامة شاركه فيه السفير اللبناني والمطران نيفن صيقلي ووفد من مؤسسة مخزومي وآخرين، يتم الآن في هذا التوقيت، الادعاء عليه ب” جرائم الاجتماع مع مسؤولين إسرائيليين في البحرين، ومهاجمة المقاومة وشهدائها بشكلٍ دائم، والتحريض بين الطوائف وبث الدسائس والفتنن والمس بالقواعد الشرعية للمذهب الجعفري”!!
بعيداً عن مشاركة مسؤولين لبنانيين في مناسبات دولية يتواجد فيها كبار المسؤولين الصهاينة وليس وفد حاخامات، والكل يذكر أن الوزير جبران باسيل سار في الصف الأمامي على مقربة من نتنياهو رئيس وزراء العدو في تظاهرة استنكار الاعتداء على مجلة “شارلي إيبدو”( الصورة مرفقة)، فاتهام العلامة الأمين اليوم وهو الفقيه الأبرز فقهياً بين علماء الشيعة يندرج في سياق محاولات حزب الله الممسك بقرار البلد إسكات الأصوات المعترضة على توغله على الدولة، والأمر يرقى إلى مستوى الفضيحة لأن الإساءة كبيرة وستحرق أصابع الأدوات الرخيصة المستخدمة للدفاع عن هذا التسلط!
وسط تجريد هذه الحملة توقيتاً واستهدافاً أطل السيد حسين الموسوي مستشار أمين عام حزب الله ليعلن أن كل لبناني سيتماهى مع الطروحات الأميركية سيعتبر “متواطئاً مع العدو الصهيوني سواء كا ن واعياً أو غائباً عن الوعي”! ليطلق البطريرك الراعي تحذيراً لافتاً، وهوالذي قدم مخرجاً لاجتماع بعبدا لم يؤخذ به، فقال” وجه لبنان بدأ يتغير ويسلك طريق الظلم وطريق النظام البوليسي والاعتداء على حرية الانسان وكرامته”!
هذا التمادي وحتى الدفع بلبنان إلى هوة لا قاع لها، هو سلاح الجهات الممسكة بقرار البلد والمستنكفة عن أي حلٍ ولو بسيط، لأنها تخشى المساس بمصالحها ومكاسبها وارتهانها للخارج. ولا بديل عن إعادة التأكيد أن إبعاد الخطر عن الرغيف وحبة الدواء، واسترجاع الحقوق والكرامات، له طريق وحيد يكمن في استنباط الأشكال التي توفر للبنانيين شبكة الأمان الضرورية، وتضع أمام فقراء البلد خريطة طريق في التنظيم والرؤية السياسية. مرة أخرى كل المشاركين في ثورة تشرين والذين وضعوا آمالهم على الثورة أمام تحدي بناء ميزان القوى القادر على مواجهة التمادي في التعسف والاستبداد!