حنا صالح – بين صرخة مواطن “ما تطلعوا ع الشاشات تكبوا علينا قرفكم، ليه قبلتوا تتحملوا المسؤولية استقيلوا”، والسكرة السلطوية على زبيبة “النجاح “المحدود أن اسبوعاً من التحريض و”أمناً استباقياً” تم فرضه، نجح في منع أعداد كبيرة من الوصول السبت إلى ساحة الشهداء، فمضت السلطة في رهان الاستثمارالخطير في التحريض على قاعدة أن النزول إلى الشارع سيقابل بمشاريع الفتنة التي تهدد بالاقتتال الأهلي.. وأمام المواطن الأدلة من التعديات التي لم تؤت الثمار ضد المتظاهرين السلميين، فطاولت المدنيين في منازلهم في طريق الجديدة كما في كورنيش المزرعة وأطراف عين الرمانة وبقيت دون توقيف محرضٍ واحد أو معتد واحد! ووُجِدَ بعض اصحاب النوايا الحسنة فتحدثوا عن “عنف بين المواطنين”، فاستند أهل الحكم على هذه “الانجازات” للمضي في خطوات مدمرة للادارة من شأنها أن تضع البلد على خارطة التلاشي!
– لا تشكيلات قضائية!
– الودائع في مهب التفليسة بعد الإصرار على التمسك بخطة الحكومة ووجهة نظرها في الأرقام!
– محاصصة مقيتة في التعيينات تضرب بعرض الحائط الحد الأدنى من موجبات الاصلاح وتكشف عن ممارسات تبقي البلد في النفق الخطير!
كل ذلك يضع ثورة تشرين أمام تحديات جسام. تبدأ في التأكيد على إنجاز مطالبها في كسر منظومة الفساد وإسقاط الحكومة الواجهة، واستعادة الدولة المخطوفة بما يوقف الارتهان ويبسط سلطة الدولة كاملة دون شريك، من خلال العودة إلى حكم الدستور والتزام القوانين بدون أي استنسابية. وبات واضحاً أن المرحلة الجديدة من الثورة تفترض أولوية بناء ميزان القوى في مواجهة عنجهية أطرافٍ طائفية متسلطة متمسكة بالسلطة ومكاسبها، وغير عابئة بالمعاناة التي يعيشها المواطن، إلى التأكيد على البرنامج المشترك المفضي إلى إعادة تكوين السلطة، واهمية الذهاب إلى خطوات تنسيقية تجمع المتضررين بعيداً عن أشكال الفلكلور التي لا تغني ولا تسمن عن جوع! ومن القضاء نبدأ.
1- باتت القاعدة إسمع تفرح جرب تحزن. الاصلاح القضائي واستقلالية القضاء حاجة داخلية ومطلب الجهات الدولية، من “سيدر” إلى المباحثات مع صندوق النقد الدولي، والكل يعتبر أن التشكيلات القضائية خطوة بالاتجاه الصحيح، والتزامها من عدمه ليس خياراً، لكن قضي الأمر ولن ترى النور بعد، إذ يبدو أن مرسوم التشكيلات أعيد إلى السراي دون توقيع. والمعلومات المسربة اعتبرت أنه “مرسوم عادي أي أن توقيعه غير مقيد بزمن”(..) وتقول جهات قانونية أن رد المرسوم على هذا النحو هو محاولة “إيجاد صلاحيات جديدة ليست واردة في أي نصٍ دستوري”، بالمقابل يؤكد القانوني الوزير السابق ابرهيم نجار أن “صلاحية الرئيس كما وزير العدل والوزراء المختصين هي صلاحية مقيدة، ليس لهم إعادة النظر فيه، ومتى طبقنا المادة 5 من قانون التنظيم القضائي يكون الموضوع قد انتهى”. لكن على من يقرأ رجال القانون مزاميرهم!
2- الأرقام في لبنان وجهة نظر وتوظف في خدمة منحى سياسي ليس إلآّ، ولو لم يكن الأمر كذلك فماذا يعني أن يقترح رئس الحكومة السير بأرقام يقبل بها صندوق النقد الدولي؟ هذا الأمر طغى على اجتماع النصف ساعة الذي شهده قصر بعبدا وانتهى وفق مطلعين إلى وضع أموال المودعين في مهب التفليسة!
كانت مجموعة الأزمات الدولية تحذر في تقريرها السنوي من خطورة الأزمة التي يواجهها لبنان، وتؤكد أن لا بديل أمام توفير مساعدات خارجية وقروض، وتعلن أنه “يتعين على لبنان إجراء إصلاحات فعلية لإعادة النظام المالي والاقتصادي إلى الوضع السليم”، وتحذر من “مخاطر استمرار الاستيلاء على موارد الدولة والممتلكات العامة ونتائج ذلك”(..) ذهب اجتماع بعبدا إلى فرض الرؤية التي تضمنتها خطة الحكومة، واعتبارها “منطلق” للبحث مع صندوق النقد، ما دلّ أن الموضوع منطلق وغير محسوم وقد لا تمر الخطة في المجلس النيابي، خصوصاً وان ما رشح يفيد أنها تفضي إلى أمرين: الأول “إعدام” القطاع المصرفي، والثاني اقتطاع نحو 70% من أموال المودعين!! بالتأكيد يتحمل القطاع المصرفي، مالكوه وكل أعضاء الكارتل المصرفي، المسؤولية الكاملة عن تدمير الصناعة المصرفية وتبخر أموال الناس وجنى عمرهم الحلال، لكن هل الحل الذي يتقدم ما عداه هو تصفيته القطاع واستبداله ب5 بنوك جديدة “تتحكم بملكيتها وإدارتها بعض القوى السياسية”!
أمور بالغة الخطورة يمر بها البلد، وهناك تغطية لخطط مبيتة لأن المعلومات التي تسربت أفضت إلى أن حاكم مصرف لبنان، وهو بين أبرز المسؤولين التنفيذيين عن الانهيار، فنّد بمذكرة خطية كل أرقام الخطة الحكومية مسجلاً اعتراض مصرف لبنان على انعكاساتها، وأبلغ الاجتماع أن اعتماد رؤية الحكومة يأخذ البلد إلى الكارثة. وعندما قال الرئيس عون أن الخطة لا تمس الودائع رد سلامة بأنها تشطب الودائع، وحرص على تسجيل اعتراضه خطياً بكتاب ممهور من مصرف لبنان.. ورفض الاجتماع طلب وزير المال مهلة 48 ساعة للعمل على الأرقام، خصوصا وهناك لجنة نيابية تتقصى حقائق الأرقام، كان الجواب رفض الطلب كي لا يؤخر القرار!!
3- وتعود المحاصصة التي لم تتوقف ولم يعطلها لا إفلاس ولا بطالة ولا مجاعة. فيتم تقديم جلسة مجلس الوزراء إلى يوم غد، وعندما يعرف السبب يبطل العجب! والسبب أن مرشح حركة أمل إلى منصب مدير عام وزارة الاقتصاد والتجارة سيبلغ ال39 من العمر يوم الخميس ما يحول قانونا دون تعيينه لأن القانون يشترط أن يخدم في السلك الاداري 25 سنة قبل بلوغ ال64 سن التقاعد! والمقترح الذي يشغل حكماً منصب عضو في المجلس المركزي لمصرف لبنان لم يعرف عنه أن له أي خبرة وهو بالأساس معالج فيزيائي! وبات بحكم المؤكد أن يعين القاضي مروان عبود محافظاً لبيروت، وغسان نور الدين المرشح من الثنائي الشيعي مديرا للاستثمار في وزارة الطاقة، ويفوز رئيس الحكومة بتعيين مرشحته القاضية ندى يقظان رئيسة لمجلس الخدمة المدنية! رغم كل ما أعلن وعرف من تدابير مسلكية اتخذت بحقها من جانب الهيئة القضائية المعنية!
وبعد، يزداد الهريان ويزداد التردي، ويزداد الاصرار على متابعة نفس النهج وكل رهاناتهم امنية ومصادرة للحريات، وهذه بالنهاية الطريق التي تهز الاستقرار الاجتماعي والأمن.. وتزداد مسؤولية ثورة تشرين بوصفها مساراً حقيقياً للتغيير والانقاذ.
وكلن يعني كلن