حنا صالح – لم يخطيء الأمين العام الأشهر. بدقة اختار كلماته التي لم تحمل جديداً. منذ 17 تشرين صنف ثورة الشعب اللبناني، حاول الاحتواء واتهم وتوعد وتم تنفيذ الاعتداءات التي لم يرتكبها مجهول. كل محركات ثورة الكرامة كانت مطلبية واجتماعية وتهدف لاستعادة كرامات منتهكة منذ عقود من نظام مافيوي ارتكب كل الكبائر ولا يزال. وبعيون مفتوحة مع بدء تصدع المنظمة الفاسدة، أعلن حزب الله عن تموضعه في مقدم صفوف الدفاع عن هذا النظام الفاسد، فكان تأكيد الساحات :”كلن يعني كلن” ويستحيل تحقيق المطالب بدون التغيير السياسي الشامل. تغير المنظمة التي يقودها حزب الله وتموضع مدافعاً عنها قافزاً فوق حقيقة مسؤوليته عن تمدد الفقر في كل الجغرافيا اللبنانية بما فيها تلك التي يعتبرها بيئته الحاضنة!
الخيارات التي يريد فرضها على البلد لا جديد فيها، بل واضحة ومعروفة، لكي يبقى لبنان رهينة محوره وسياساته، وما على الجائعين إلا الصمت والقبول والانزواء في المنازل، وإلاّ الشماعة جاهزة: صرخات الجائعين ما هي إلاّ التنفيذ لرغبات العدو الاسرائيلي الذي يراهن على ضرب “المقاومة” من الداخل!
ليس جديداً أن حزب الله في تموضعه وفق اجندة المصالح الايرانية، لا يستطيع أن يطرح على نفسه السؤال الحقيقي، وهو لماذا على من رفض ظلم المحتل الاسرائيلي وقاتله بأشفار العيون بدءاً من بيروت و16 أيلول، مروراً بكل المحطات حتى التحرير في 25 أيار من العام 2000 أن يخضع اليوم أمام الجهات التي تنتهك حقوقه وتدوس على مستقبله وترميه إلى المجاعة؟ ولماذا أمام الجائحة وتفاقم الاصابات وبروز هزال أداء حكومة حزب الله أساساً حيث تتم المقامرة بحياة المواطنين، يجب السكوت؟ اللبنانيون ليسوا بحاجة لفحص دم من أي جهة، اللبنانيون بأكثريتهم الساحقة الذين احتضنوا مقاومة الاحتلال فأدى احتضانهم للمقاومين إلى تحرير بيروت ست العواصم، وتابعوا احتضان مسيرة التحرير، لم ينتظروا الأذن من أي جهة، وعندما وحّدهم جوعهم وأمعاءهم الخاوية والتعدي المزمن على الحقوق والكرامة، كسروا جدران الانقسام وحملوا قضاياهم، وقرروا كسر الظلامة وفرض محاسبة الظالمين الفاسدين أمام القانون. لا بل أكدت ثورتهم التي جاءت خارج المألوف اللبناني أنهم راكموا من الوعي ما لن يتيح لعدو أياً كان بأن يركب الثورة، وهم يعرفون ويدركون أن بلدهم الجائع هو اللقمة السائغة أمام أطماع العدو المتربص، كما الأعداء الطامحين، فبلوروا البديل كمهام أمام ثورتهم وهو إسقاط حكومة الدمى وبدء مرحلة انتقالية تقودها حكومة مستقلة عن أحزاب الفساد التي عاقبتهم بهذه الحكومة الواجهة!
أما حديث الامكانات والطاقات والنصائح بالذهاب شرقاً وأساساً القرار بين ايديهم ويتابعون خطوات استتباع البلد، فكل ما يريدونه هو قطع لبنان عن محيطه الطبيعي وعلاقاته الحقيقية، والأمر يندرج في سياق واحد وحيد هو هركلة البلد وإضعاف مقوماته لتسهيل السيطرة عليه! سنعود إلى ذلك في الآتي من الأيام، لكن يكفينا اليوم مثال من العراق المنهوب رغم كل ثرواته وإمكاناته، فما كان من المسؤولين إلاّ أن يمموا تجاه السعودية للحصول على قرض سريع بقيمة 3 مليارات دولار لدفع الرواتب وتأمين حاجات أولية لمعيشة العراقيين بعدما اكتشفت الحكومة الجديدة أن الخزينة خاوية!
وبعد عاد الوباء يعصف بالبلد وتفاقمت الإصابات رغم ضآلة الفحوصات، وبدا الهزال على كل المستويات الرسمية، ويوم أمس لم يطالعنا حكام الصدفة بمقولة أن العالم معجب بالتجربة التي أرستها حكومة الدمى. الأمر الخطير جداً أن وزير الصحة، “الفوتوشوب”، “اقترح” أن يعتمد لبنان نموذج “مناعة القطيع” الناعم! واي متابع لما جرى في العالم يعرف أن بريطانيا العظمى التي أرادت اعتماده قوبل ذلك بالاعتراض والاستياء من جانب الجسم الطبي وعلماء الأوبئة، وقد تسببت تلك البلبلة بمضاعفة الوفيات التي تكاد تكون اليوم ضعفي الوفيات في فرنسا ! “مناعة القطيع” كخيار يهدف إلى تحقيق مبدأ إصابة نحو 60% من المواطنين بالوباء حتى تتشكل المناعة ضد الفيروس؟ لكن كم سيكون حجم الوفيات ؟ وكم ستكون الأعباء على المستشفيات والجسم الطبي؟ وما هو رأي الأطباء في لبنان وخصوصاً أطباء الأوبئة؟ ولماذا لا يلتزم هذا الوزير ومن خلفه حكومة الانفصام عن الواقع رأياً طبياً وعلمياً يكون ملزماً لهواة المؤتمرات الصحفية والخطب الجوفاء!
بأي حال برز أمس الارباك الحكومي والعجز رغم المكابرة. رغم ذلك يستمر الامتناع عن الذهاب إلى تكثيف الفحوصات لإظهار حقيقة الوضع وكيف يمكن التعامل معه، وعدم ترك الناس فريسة لوباء لا يرحم! ومع تفاقم الاصابات بين المقيمين والوافدين تظهّر حجم القلق لدى ساكن السراي والآخرين من الحكام السعداء في بلد الأرز المنكوب، فالكل متوجس من خطر العودة إلى إقفال البلد، لأن الجوع كافر وقد يهدد بانفجار أكبر، هذا مع العلم أن لا شيء الآن يمكن أن يستبدل الحاجة إلى سياسة حماية جدية لمعيشة الناس، أي توفير ما يدعم معيشة نحو 600 ألف أسرة بعدما باتت أكثرية الناس في خانة من هم الأكثر عوزاً! ولتسكت أصوات التوجيه بالتكافل أو الذهاب إلى بعض انواع الزراعة حيث ذلك ممكناً، فهذه أمور يقدم عليها المواطن دونما حاجة لنصائح لن تغطي عجز أصحاب القرار عن واجب حماية حق المواطن بالعيش الآمن !
ويبقى أسئلة يضج بها البلد منها عن السماح للسيد بشير البساتني بمغادرة لبنان الخميس، وبطائرة خاصة ومن خلال إذن خاص، والبلد غارق في الظلمة نتيجة إغراقه في الفيول المغشوش، وشركة البساتنة جزء أساسي مع كارتل تقوده وزارة الطاقة في تحمل المسؤولية؟ فهل يندرج هذا الإذن في نسبة ال3% التي لم ينجزها البروفيسور بعد؟
ويبقى أيضاً علامة استفهام كبيرة تتعلق بالتئام الهيئة الاتهامية أمس الجمعة، ومصادقتها بالاجماع على تخلية مازن حمدان مدير عمليات النقد في مصرف لبنان( وهو لم يعلن أن اي أمر ثابت ضده)، وهل من ارتباط بين هذه الخطوة والاتفاق الذي تحدث عنه دياب مع سلامة، وهل سيلبي مصرف لبنان الضغوط الممارسة من الضابط السابق الشهير جداً، الذي بين أولوياته توفير الدولار لدى الصرافين لشحنه إلى خارج الحدود وماذا يدور عن زيارة إلى سوريا يقولون أن دياب يعتزم القيام بها قريبا؟
ويبقى أيضاً تلك المناكفة بين حليفي التفاهم الشهير: التيار العوني وحزب الله، الأمر ليس صحوة ضمير(..) اعذرونا، إنه مجرد تضارب مصالح ومكاسب وأهداف لا ناقة للمواطنين بها ولا جمل ولا تندرج مطلقاً في خانة حماية الشأن العام!
مسيرة التغيير شاقة وطويلة وصعبة وبديلها خراب مديد وهجرة شباب لمن استطاع، وعودة التحكم وفتح الباب أمام استبداد لم يألفه البلد وهذا يحتم منحى وحيد ألا وهو تنظيم الساحات، وبلورة القوى والسياقات التي ترفع من مستوى المواجهة، وتقطع الطريق على المصطادين بالماء العكر، الذين يتسترون بمطالب المواطنين لطرح شعارات وأهداف تكبل الثورة وتزرع العصي في طريقها، على غرار محاولة من جهات مشبوهة استسهلت الدعوة إلى عصيان مدني!
و”كلن يعني كلن”.