المحامي ميشال فلاّح | في الحمرا، حيث لا يكاد الضجيج ينقطع، وحيث تعاقبت أجيال من الطلاب والصحافيين والسياسيين والفنانين والمثقفين والسياح، ثمة باب ما إن تعبره حتى يبدو الشارع بعيدًا. إنها كنيسة سيدة الوردية. لا ضخامة الكاتدرائيات فيها، ولا عزلة الأديرة. كنيسة مارونية صغيرة نسبيًا، اختارت لها الأقدار أن تقف في واحد من أكثر أحياء بيروت صخبًا وتنوعًا، وأن تشهد مدينة تكبر وتزدهر، ثم تحترق وتحاول النهوض مرة بعد مرة.
وحكاية سيدة الوردية ليست حكاية حجارة ومذبح وجرس فحسب. إنها شيء من حكاية الحمرا نفسها، وربما من حكاية بيروت.
حين كانت الحمرا لا تزال تكبر
يصعب على من يعرف الحمرا اليوم أن يتخيّلها قبل سبعين أو ثمانين عامًا. كانت بيروت تتمدّد غربًا، والأبنية أقل، والمساحات المفتوحة أوسع، ورأس بيروت لم تصبح بعد ذلك المزيج الكثيف من الجامعات والفنادق والمقاهي والصحافة والتجارة.
وتحفظ شهادة فرنسية عن الحمرا في مطلع الخمسينيات صورة مختلفة للحي، تذكر فيها كنيسة سيدة الوردية، إلى جانب دير الآباء الكبوشيين ومدرستهم، ومنزل الرئيس إميل إده القريب. كانت الكنيسة إذًا جزءًا من مشهد عمراني واجتماعي سبق العصر الذهبي للحمرا، حين لم تكن الأبنية العالية قد حجبت الكثير من ملامحها القديمة.
ثم راحت الحمرا تتبدّل. الجامعات تتوسّع، والفنادق ترتفع، والمحال التجارية تتكاثر، وتأتي الستينيات والسبعينيات الأولى فتحمل الشارع إلى عصره الذهبي: مقاهي المثقفين، الصحف والمجلات، المسارح ودور السينما، والكتّاب والفنانون والسياسيون الذين كان يكفي أن تجلس في مقهى لتصادف أحدهم على الطاولة المجاورة.
وسط ذلك كله، بقيت سيدة الوردية تؤدي رسالتها الهادئة. طفل يُعمَّد، وعروسان يقفان أمام المذبح، وجنازة تودّع راحلًا، وامرأة تدخل لتضيء شمعة، وكاهن يصغي إلى همّ لا يصل يومًا إلى صفحات الجرائد.
فيليب نجيم… كاهن صار جزءًا من المكان
إذا كان ثمة اسم يصعب فصل تاريخ سيدة الوردية عنه، فهو المونسنيور فيليب نجيم، الذي ارتبط بالرعية عقودًا طويلة، حتى بدا كأن الرجل والكنيسة صارا جزءًا من سيرة واحدة. وفي سنة 1950، انضم إليه الخوري يوحنا نصر صفير، العائد من مصر، وخدم معه عشر سنوات قبل انتقاله إلى الولايات المتحدة سنة 1960. ولم تقتصر رسالة نجيم على سيدة الوردية. فبحسب إحدى الروايات الكنسية المنشورة، ساهم سنة 1960 في تأسيس كنيسة القديسة ريتا في الحمرا ايضاً، في امتداد رعوي يعكس نمو التجمعات السكنية في رأس بيروت وحاجتها إلى أماكن جديدة للصلاة والخدمة.
لكن الأثر الأعمق للرجل لم يكن في الحجر وحده، بل في علاقته بالناس. فقد عرفته الحمرا كاهنًا حاضرًا في حياتها اليومية، في أفراحها وأحزانها، وفي السنوات التي كانت المدينة تستعد فيها، من دون أن تدري، لأقسى امتحاناتها.
عندما أصبحت الكنيسة ملجأً للصحافيين
ثم جاءت الحرب. في سنة 1975، بدأت بيروت التي كانت تجمع الجميع تنقسم على نفسها. ظهرت المتاريس والحواجز والمعابر، وصار الانتقال من حي إلى آخر مغامرة، ومن شطر المدينة إلى شطرها الآخر مخاطرة قد لا يعود منها المرء. وفي تلك الأيام، اكتسبت سيدة الوردية دورًا لم يكن أحد قد خطّط له.
في شهادة نُشرت سنة 2008، روى فيليب نجيم كيف أصبحت الكنيسة، القريبة من مكاتب الصحف في الحمرا، مقصدًا لصحافيين من «النهار» و«L’Orient-Le Jour» خلال حرب السنتين، بعدما حالت الحواجز دون وصولهم بسهولة إلى كنائس أخرى. كانوا يأتون إلى القداس، ومن بينهم غسان تويني، وفرانسوا عقل وجوزف نصر، كما كان العميد ريمون إده من الذين يقصدون الكنيسة. وبعد الصلاة، لم يكن الجميع يغادرون مسرعين. كانوا يجلسون أحيانًا إلى فنجان قهوة في صالون الرعية.
يا لها من صورة لبيروت. في الخارج، مدينة تقاتل نفسها. وفي الداخل، صحافي وسياسي وكاهن يجلسون حول قهوة بعد القداس. لم توقف سيدة الوردية الحرب، بالتأكيد، لكنها حفظت داخل جدرانها شيئًا من بيروت التي كانت الحرب تحاول أن تنتزعه منها: القدرة على اللقاء. والأكثر دلالة أن فيليب نجيم بقي في رعيته عندما غادر كثير من أبنائها المنطقة. لم يكن بقاؤه موقفًا سياسيًا ولا بطولة عسكرية، بل ذلك النوع الأكثر هدوءًا من الشجاعة: أن يبقى الراعي حيث بقي بعض رعيته، وأن تظل أبواب الكنيسة مفتوحة حين كانت أبواب كثيرة تُغلق خوفًا.
آل إده… والكنيسة التي جمعت رجال الجمهورية
لم تكن علاقة ريمون إده بسيدة الوردية عابرة. فقد ارتبطت عائلته تاريخيًا برأس بيروت، وكان منزل والده، الرئيس إميل إده، قريبًا من الكنيسة، في زمن كانت الحمرا لا تزال تحتفظ بالكثير من ملامحها الأولى. وبعد الحرب، عادت الكنيسة لتجمع وجوهًا من الجمهورية حول اسم العائلة. ففي آب 1997، أقيم فيها قداس لراحة نفس بيار إده، شقيق ريمون إده، ترأسه رئيس أساقفة بيروت المارونية المطران بولس مطر، وعاونه المونسنيور فيليب نجيم. واجتمع في الكنيسة ممثلون عن رؤساء الجمهورية والحكومة ومجلس النواب، إلى جانب حسين الحسيني وشفيق الوزان وميشال إده وجان عبيد وغسان تويني ونايلة معوض ومروان حمادة، وشخصيات سياسية وإعلامية عديدة.
كانت الحرب قد انتهت، لكن الكنيسة التي جمعت بعض أبناء الصحافة والسياسة في زمن الخوف عادت تجمع رجال الدولة في زمن السلم. ولعل في ذلك شيئًا من مفارقات بيروت: أماكن صغيرة في مساحتها، كبيرة في ذاكرتها، تمرّ بها وجوه من تاريخ البلاد من دون أن تفقد صلتها بالناس العاديين.
من الحرب إلى الصلاة من أجل السلام
لم يكن غريبًا أن تصبح سيدة الوردية، بعد سنوات الحرب، مكانًا تتجدّد فيه الصلاة من أجل السلام. ففي الأول من كانون الثاني 1998، احتفل المطران بولس مطر بقداس رأس السنة فيها، واستمر هذا التقليد في سنوات لاحقة. وفي سنة 2012، عاد قداس رأس السنة واليوم العالمي للسلام ليجمع المصلّين حول معاني الحرية والكرامة الإنسانية والسلام. كأن الكنيسة التي عرفت معنى الخوف صارت أقدر على إدراك قيمة الطمأنينة، وكأن صلوات السلام التي ارتفعت من مذبحها كانت تحمل، إلى جانب الرجاء المسيحي، شيئًا من وجع مدينة لم تنسَ حروبها.
وفي شباط 2009، رحل المونسنيور فيليب نجيم عن أربعة وتسعين عامًا. وفي مأتمه، حضرت سيدة الوردية في كلمات الوداع، بوصفها رعية ارتبطت بخدمته الطويلة وبسنوات من حياة أبنائها. رحل الكاهن الذي شهد تحوّلات الحمرا، لكن ما تركه لم يكن محصورًا في سجلات الرعية. بقي في ذاكرة الذين عرفوه، وفي تلك الصورة البيروتية النادرة: قداس أيام الحرب، تعقبه قهوة تجمع من فرّقتهم السياسة وأبقتهم الصلاة على موعد. وتعاقب على خدمة الرعية كهنة آخرون، منهم الخوري فرنسيس طانيوس الخوري، الذي ارتبط اسمه بسيدة الوردية وبيت الكاهن فيها، واستمرّت الرسالة من جيل إلى جيل.
كنيسة الحي… لكل الحي
لكن سيدة الوردية لم تنظر إلى الحمرا من خلف أبوابها. ففي رحابها، وجد العمل الاجتماعي مكانًا له، وخصوصًا من خلال كاريتاس – إقليم رأس بيروت، الذي اتخذ من الكنيسة مقرًا لنشاطه. وهو وجه آخر لهذه الرسالة، عيادة طبية متنقلة، وأدوية بأسعار مخفضة، وزيارات منزلية، وأنشطة للأطفال والمسنّين، ومساعدات تصل إلى المحتاجين من دون تمييز بين مسيحي ومسلم.
وهنا تكتسب الحكاية معناها الأعمق. فالحمرا ورأس بيروت لم تكونا يومًا حيًا لطائفة واحدة. وفي محيط تعددت فيه الانتماءات، لم يكن السؤال عمّن يقصد الكنيسة ليصلّي، بل عمّن يحتاج إلى يد تمتد إليه. وهكذا عاد بيت العبادة إلى أحد أبسط معانيه وأكثرها إنسانية: أن يكون بيتًا للإنسان.
ومرّ الرابع من آب
ثم جاء الرابع من آب 2020. الانفجار الذي حطّم بيروت وصل صداه وأضراره إلى كنائسها أيضًا. ولم تسلم سيدة الوردية من آثاره، إذ تضررت نوافذها وزجاجها المعشّق، كما وثّقت تقارير صحافية فرنسية تناولت الأضرار التي أصابت الكنائس البيروتية وأعمال ترميم الزجاج الملوّن. وللزجاج المعشّق في الكنائس معنى يتجاوز الزينة. فهو مصنوع كي يعبر الضوء من خلاله، فتتحول أشعة الشمس إلى ألوان تلامس جدران بيت الصلاة. وحين يتحطم، لا تخسر النافذة ألوانها فقط، بل يبدو للحظة كأن الضوء نفسه قد أُصيب. لكن الزجاج يُرمَّم. وبيروت، على طريقتها المؤلمة، تحاول أن تفعل الشيء نفسه.
وبعد أسابيع من الانفجار، حضرت الكنيسة أيضًا في مبادرة موسيقية حملت الترانيم إلى شوارع بيروت وكنائسها، كأن الرد على صوت الانفجار كان لا بد أن يكون صوتًا آخر، لا يحمل الخوف بل الرجاء.
الوردية اليوم… وذاكرة لا تنطفئ
لا تزال سيدة الوردية رعية حيّة في أبرشية بيروت المارونية، تستقبل المصلّين وتواصل رسالتها الروحية والاجتماعية. لكن أسماء الكهنة ومواعيد القداديس لا تختصر المكان. فتحت سقفها مرّت أجيال لا نعرف أسماء معظم أفرادها. هناك من دخل طفلًا وعاد عريسًا، ثم جاء يحمل ابنه إلى المعمودية. وهناك من صلّى فيها أيام الحرب ثم هاجر ولم يعد. وهناك من دخل خائفًا، ومن دخل شاكرًا، ومن لم يكن يملك سوى شمعة صغيرة يضعها أمام العذراء وأمنية لا يسمعها أحد.
تغيّرت الحمرا من حولها. اختفت مقاهٍ شهيرة، وأقفلت دور سينما، وتبدّلت الصحف، ورحل كتّاب وسياسيون وفنانون، وهاجرت عائلات وجاءت أخرى. حتى الشارع الذي كان ذات يوم واجهة الحداثة العربية صار يبحث أحيانًا عن صورته القديمة.
أما سيدة الوردية، فلا تبحث عن الماضي بقدر ما تحفظه. ولعل سرّها في اسمها. فالوردية حبات صغيرة تتوالى حتى تكتمل المسبحة، وكذلك حكاية هذه الكنيسة: ولادة وزواج، حرب وقهوة، صلاة ورحيل، انفجار وترميم، ثم طفل جديد يعبر الباب. وفي الخارج، تواصل الحمرا ضجيجها. أما في الداخل، فلا تزال شمعة مضاءة أمام العذراء تذكّر بأن في هذه المدينة أشياء كثيرة تغيّرت… وأشياء، لحسن الحظ، بقيت