1. Home
  2. مقالات
  3. مار الياس المصيطبة… كنيسة بقيت لأن بيروت لم تتركها ترحل
مار الياس المصيطبة… كنيسة بقيت لأن بيروت لم تتركها ترحل

مار الياس المصيطبة… كنيسة بقيت لأن بيروت لم تتركها ترحل

0
0

المحامي ميشال فلاّح | عند جسر سليم سلام، حيث تَعبر بيروت مسرعة ولا تكاد تلتفت إلى شيء، تقف كنيسة كأنها تنتمي إلى إيقاع آخر. آلاف السيارات تمر بمحاذاتها كل يوم، وكثيرون يعرفون صورتها أكثر مما يعرفون حكايتها، إنها كنيسة مار الياس المصيطبة للروم الأرثوذكس.

وراء هذه الجدران تاريخ لا تقاس أهميته بعمر الحجر وحده. إنه تاريخ كهنة وعائلات ومدرسة وأطفال وجوقة، وحرب وصلت إلى الأيقونات، وجيران رفضوا أن تصل إلى معنى الجيرة. وفيه أيضاً صوت فيروز الذي جعل مئات البيارتة يكتشفون ذات يوم الكنيسة التي مروا بقربها سنوات من دون أن يدخلوها. وكنيسة مار الياس المصيطبة ليست كنيسة مار الياس بطينا، وإن جمعهما اسم النبي إيليا وذاكرة أرثوذكسية واحدة في هذه الناحية من بيروت. والتمييز ضروري، لأن الروايات اختلطت أحياناً بين الكنيستين، فنُسب إلى الواحدة شيء من تاريخ الأخرى.

أما تاريخ البناء الحالي لكنيسة مار الياس المصيطبة، فلا وثيقة منشورة تحدد سنة تشييده أو اسم من قدّم أرضه أو أوقفها. لكن توثيق لمركز العمارة الكنسية في بطريركية انطاكية الارثوذكسية في جامعة البلمند، نصّ على أن تاريخ البناء يعود الى مطلع القرن التاسع عشر، وقد تمت إعادة بناءه في العام 1895، أما الترميم الحديث فقد حصل بعد انتهاء الحرب في العام 1990.

كما أن حضور الرعية موثق منذ النصف الأول من القرن العشرين. ففي سنة 1941عيّن متروبوليت بيروت إيليا الصليبي، الأب إيليا برباري كاهناً لمحلة المصيطبة لخدمة الروم الأرثوذكس فيها، وبقي حتى سنة 1954. وكان برباري يسكن المصيطبة نفسها، كان واحداً من أهلها، أهله، يعرف البيوت والعائلات ويشاركها أفراحها وأحزانها.

ومن تلك المرحلة بقي مشهد صغير في ذاكرة البدايات الأولى لحركة الشبيبة الأرثوذكسية. فقد عُقد ثاني اجتماع عام للحركة في كنيسة النبي الياس في المصيطبة، ويروي أحد الذين عاشوا تلك الأيام دخوله غرفة منعزلة فيها أيقونة وشمعة مضاءة وكاهن يستمع إلى الاعترافات. أحياناً تحفظ شمعة واحدة من تاريخ المكان أكثر مما تحفظه السجلات.

“مدرسة أستاذ نقولا”

لمار الياس المصيطبة حكاية قديمة مع التعليم أيضاً. فقد قامت في مرحلة سابقة مدرسة ابتدائية تابعة لوقف الكنيسة، أدارها مؤسسها نقولا حبيب، الذي كان في الوقت نفسه رئيساً لجوقة كنيسة مار الياس المصيطبة. لكن أهل المنطقة اختصروا الاسم الرسمي باسم الرجل الذي عرفوه، فصارت في الذاكرة المحلية “مدرسة أستاذ نقولا”. وبعد رحيله تولى بهاء طعمة إدارتها.

وهكذا كان لحرم مار الياس صوتان، أصوات الصغار في المدرسة، وأصوات المرتلين في الكنيسة. ولم تكن الرعية مكاناً يؤتى إليه يوم الأحد فحسب، بل جزءاً من الحياة اليومية لحي كان أبناؤه، مسيحيين ومسلمين، يعرف بعضهم بعضاً معرفة الجيران-الاهل، لا معرفة الهويات المكتوبة على الأوراق.

عندما وصلت الحرب إلى الأيقونات

جاءت الحرب، وحاولت أن تغير ذلك. إذ تحفظ ذاكرة أبناء الرعية رواية مؤلمة عن سنوات الحرب الأهلية. فقد تعرضت الكنيسة للأذى والعبث بموجوداتها، ووصل الاعتداء خصوصاً إلى الإيقونسطاس وأيقونات القديسين، فشُوّه بعضها ونُكّل ببعضها الآخر. أما معناها في الذاكرة، بأن العبث بالأيقونات ليس اعتداءً على خشب وألوان فحسب، بل رسالة ترهيب للمسيحيين الباقين في المنطقة، كأن المطلوب منهم أن يفهموا أن عليهم الرحيل. لكنهم لم يرحلوا.

وربما هنا تبدأ أهم صفحات تاريخ مار الياس المصيطبة. فالذين اعتدوا على الكنيسة لم يكونوا من «أهل المصيطبة»، ولم يتحول الاعتداء إلى مواجهة بين مسلمي الحي ومسيحييه. على العكس، تحفظ ذاكرة الرعية أن جيرانها المسلمين احتضنوا المسيحيين ووقفوا إلى جانبهم، ورفضوا أن يتحول الترهيب إلى تهجير أو أن تُقتلع عائلات من منطقة كانت وما زالت جزءاً أصيلاً من نسيجها.

كان للحرب منطقها، وللجيرة البيروتية الصادقة منطق آخر. منطق الحرب يسأل الإنسان عن طائفته للتفرقة، أما الجار فيعرفه باسمه للاحتضان. وهكذا بقي المسيحيون الارثوذكس، وبقيت الكنيسة. ولعل القيمة الأعمق لهذه الحكاية ليست في الاعتداء نفسه، بل في فشله، فالذين شوهوا أيقونة أرادوا أن يتركوا رسالة خوف، أما الذين حموا جيرانهم فتركوا رسالة أبقى وأعمق.

في قلب الحرب… مدرسة

في سنة 1984، وفي قلب الحرب، أُنشئ في حرم كنيسة مار الياس المصيطبة فرع لمدرسة مار الياس بطينا، قبل أن يستقل كمؤسسة تعليمية سنة 1987. وكأن المكان الذي أريد للخوف أن يسكنه اختار جواباً آخر، الأطفال. فقد دخلت الكتب إلى الحرم الذي تعرض للأذى، وعاد التعليم إلى مكان عرف في مرحلة سابقة «مدرسة أستاذ نقولا». وفي زمن كان فيه الهدم أسهل كثيراً من البناء، كان ثمة من يفتح صفاً.

يوم جاءت فيروز

في 25  نيسان 2008 حملت بيروت خبراً انتقل بين الناس من دون حاجة إلى إعلان كبير، فيروز سترتل الجمعة العظيمة في كنيسة مار الياس المصيطبة. بدأ المئات يتوافدون منذ ساعات بعد الظهر. امتلأت الباحة وبقي كثيرون في الخارج. وكتبت «السفير» يومها أن بعض الحاضرين كانوا يتعرفون إلى الكنيسة للمرة الأولى، مع أنهم اعتادوا رؤيتها أثناء عبور أوتوستراد سليم سلام.

وحين ارتفع صوت فيروز بالترتيل، التقت ذاكرتان، ذاكرة كنيسة صغيرة عاشت أفراح حي وأحزانه، وذاكرة صوت صار جزءاً من وجدان لبنان.

معنى تاريخ الكنيسة

لكن كنيسة مار الياس المصيطبة لم تحتج إلى فيروز كي تصبح جزءاً من المصيطبة. فقد صنعتها أجيال لا تظهر أسماؤها في الصحف، طفل عُمّد فيها، وعروسان وقفا أمام هيكلها، وأم أشعلت شمعة، وراقد خرج منها في رحلته الأخيرة، وكاهن عرف عائلاتها، ومعلم صار اسمه اسم مدرسة، وجيران لم يدخل بعضهم الكنيسة للصلاة يوماً، لكنهم عرفوا أنها كنيسة حيهم.

وهذه ربما أجمل نتيجة لما حدث بعد الحرب. فالبيئة المحيطة بكنيسة مار الياس اليوم يغلب عليها غير المسيحيين، ومع ذلك لم تصبح الكنيسة جسماً غريباً فيها. بل تحظى باحترام محيطها وحاضنته، وكأن الزمن أثبت أن محاولة جعلها سبباً للفرقة لم تنتصر. وفيها تستمر الصلاة اليوم مع المتقدم في الكهنة الأب يوحنا حبيب والخوري تيطس حكيم.  تبدلت الوجوه، وهاجرت عائلات، ورحل كثيرون، لكن الباب بقي يُفتح والشمعة بقيت تُضاء والصوات تُرفع. ولعل هذا هو المعنى الحقيقي لتاريخ كنيسة مار الياس المصيطبة.

لسنا في حاجة إلى أن ننسب إليها عمراً أثرياً لم تثبته الوثائق. فقيمة الكنائس لا تقاس دائماً بعدد القرون التي مرت على حجارتها، بل بمقدار الحياة التي مرت بين جدرانها. وحين يرتفع البخور فيها اليوم، يصعد معه شيء من بيروت التي كانت، الأب إيليا برباري، و”أستاذ نقولا”، وأطفال المدرسة، وأصوات الجوقة، وأيقونات شوهتها الحرب ولم تستطع أن تمحوها، ومسيحيون أريد لهم أن يخافوا فبقوا، ومسلمون عرفوا أن حماية كنيسة جيرانهم هي أيضاً حماية للمصيطبة التي يعرفونها.

ففي مدينة عرفت كثيراً من الذين حاولوا تقسيمها، بقيت كنيسة شاهدة على حقيقة إيمانية أكثر بساطة إنما أيضاً أكثر عمقاً، يمكن تشويه أيقونة، ويمكن جرح حجر، لكن من الأصعب اقتلاع مكان حين يعتبره جيرانه، على اختلاف أديانهم، جزءاً من بيتهم. ولهذا بقيت مار الياس المصيطبة. لتتذكر بيروت الله…ولا تنسى جيرانها.


tags: