المحامي ميشال فلاّح | يقول البناؤون إن الرمل لا يحمل بناءً شامخًا. يحتاج البناء إلى أساس صلب، إلى أرض تمسك به كي لا يتصدع أو يميل أو يسقط. وتكاد الفكرة تتجاوز هندسة الحجر لتصبح مثلًا: ما يُبنى على الرمل لا يدوم، وما يُراد له البقاء يُبنى على الصخر.
لكن في الطريق الجديدة حكاية كسرت، على طريقتها، هذه القاعدة. هناك، في «الرمل»، قام مسجد. ثم كبر المسجد، وكبر الناس حوله، واختفى الرمل شيئًا فشيئًا تحت الإسفلت والأبنية والشوارع. وبعد نحو قرن، ما زال جامع الإمام علي بن أبي طالب قائمًا في قلب الطريق الجديدة، متماسكًا في بنيانه، والأهم متجذرًا في مجتمعه، بما حمله عبر العقود من إيمان وتعليم، ومن هموم بيروت وقضايا لبنان والعروبة وفلسطين.
والرمل هنا ليس استعارة اخترعها السرد. ففي أرشيف Arabic Collections Online، ضمن المجموعة التي قدمتها الجامعة الأميركية في بيروت، وثيقة من 36 صفحة عنوانها: «بيان لجنة المشاريع الخيرية الإسلامية في جامع الرمل – الطريق الجديدة»، مؤرخة سنة 1348هـ، والمفهرسة بنحو 1929. وهي وثيقة تثبت أن اسم «جامع الرمل» كان حاضرًا في الطريق الجديدة، وأن لجنة للمشاريع الخيرية الإسلامية كانت تعمل من حوله في ذلك الزمن.
لكن التاريخ يحتفظ هنا بمسافة صغيرة تستحق الأمانة. فالمصادر البيروتية اللاحقة تؤرخ إنشاء جامع الإمام علي سنة 1350هـ/1935، من أموال أهل الخير وبمساعدة جمعية البر والإحسان، وتذكر أن أبا حسن زين البيروتي أوقف أرضه، وأن عمر الداعوق أوقف قطعة أخرى مساحتها أربعمئة ذراع ضُمّت إلى الجامع، فيما أنشئت في طبقته الأرضية الجنوبية مدرسة بإشراف جمعية التعليم والإرشاد.
هل كان «جامع الرمل» نواة المسجد الذي عرفناه لاحقًا؟ أم اسمًا لمرحلة سابقة من تاريخه؟ تبقى الحلقة بحاجة إلى وثيقة تحسمها. لكن المؤكد أن المكان ولد منذ بداياته ملتصقًا بالمجتمع: مسجدًا وخيرًا وتعليمًا في آن واحد. وتروي الذاكرة البيروتية أن الحاج جميل رواس ورفاقه جمعوا التبرعات لإقامة المسجد وأشرف رواس على بنائه، ثم تولى الحاج راشد الحوري توسعته. وهكذا لم يكن الجامع مشروع حجارة، بل مشروع أهل. المجتمع أعطاه أرضًا ومالًا وجهدًا، وهو أعاد ما أخذه صلاةً وتعليمًا وتكافلًا واجتماعًا.
ومع اتساع الطريق الجديدة، اتسعت وظيفة الجامع. احتضنت جنباته نشاطات دينية واجتماعية وتعليمية، وظل محيطه مكانًا يلتقي فيه الناس قبل الصلاة وبعدها، يتبادلون أخبار الحي والمدينة والوطن. وفي الأزمات، كانت المسافة تضيق بين المنبر والشارع، حتى يصبح ما يجري خارج المسجد امتدادًا لما يختلج في صدور رواده.
فالطريق الجديدة عاشت المد القومي والناصري، والحرب اللبنانية والاجتياح الإسرائيلي، والانقسامات السياسية، وبقيت فلسطين إحدى أكثر القضايا التصاقًا بوجدانها. ومن أمام جامع الإمام علي خرجت في تشرين الأول 2009 مسيرة نحو مثوى شهداء الثورة الفلسطينية في شاتيلا نصرةً للقدس والمسجد الأقصى.
وكان للمفتي الشهيد الشيخ حسن خالد حضور خاص في ذاكرة المكان. إذ ارتبط الجامع بمرحلة من الحضور الديني والوطني لدار الفتوى، كما شهد لاحقًا مناسبات حضرها مفتو الجمهورية والعلماء والشخصيات العامة. وفي رمضان 1997، مثلًا، أحيت المديرية العامة للأوقاف الإسلامية ليلة القدر فيه بحضور المفتي الشيخ محمد رشيد قباني، وكان القاضي الشيخ زكريا غندور من القائمين على الاحتفال.
وللسياسة البيروتية أيضًا ذكرياتها عند هذا الباب. فقد حفظ أبناء الطريق الجديدة للرئيس الشهيد رفيق الحريري صورة الرجل الذي لم يكتفِ بعلاقة سياسية بالمنطقة، فالرجل كان يأتي إلى جامع الإمام علي ويصلي «مع أهله وناسه». كما انتهت إحدى جولاته في الطريق الجديدة سنة 2000 إلى لقاء شعبي حاشد في خلية الجامع.
ومضى الرئيس سعد الحريري على هذا الحضور. أدى صلاة الجمعة في الجامع، وبين المصلين قال سنة 2016 إنه جاء ليصلي معهم في الطريق الجديدة، في بيروت التي أحبها رفيق الحريري. ثم عاد وأدى فيه صلاة عيد الفطر سنة 2020، وحين خرج أحاط به المصلون وأبناء المنطقة. هكذا لم يكن الجامع بالنسبة إلى الرجلين محطة بروتوكولية بقدر ما كان مكانًا للدخول بين الناس، والصلاة معهم، ثم الوقوف بينهم عند الباب وفي الشارع.
وعلى منبره تعاقب علماء وخطباء، وإن كانت المصادر المتاحة لا تحفظ لنا، حتى الآن، سجلًا كاملًا بأسماء جميع أئمته منذ التأسيس. ومن أبرز من توثقه الذاكرة الحديثة القاضي الشيخ زكريا غندور، الذي ارتبط طويلًا بالجامع إمامًا وخطيبًا، وظل منبره حاضرًا في الحياة الدينية والعامة للطريق الجديدة حتى وفاته في حزيران 2020. وبعده تولى الشيخ حسن مرعب الإمامة والخطابة، وألقى خطبته الأولى في 5 حزيران 2020.
ومع الشيخ حسن مرعب دخل الجامع فصلًا جديدًا من حكايته. لم يعد الحضور مقتصرًا على صلاة الجمعة والجماعة. اتسعت المناسبات واللقاءات الدينية والاجتماعية، وأصبح الجامع ومحيطه يستقبلان لقاءات وشخصيات ووفودًا، فيما بقي المنبر شديد الصلة بقضايا الناس وبفلسطين خصوصًا.
وهنا يمكن العودة إلى البداية. يقول البناؤون إن الرمل لا يصلح أساسًا لبناء شامخ. وربما كانوا على حق في هندسة الحجر. أما جامع الإمام علي، فكانت له هندسة أخرى. قام في الرمل، لكن أساسه الحقيقي كان الناس، الواقف الذي وهب الأرض، والمتبرع الذي دفع، والرجل الذي جمع المال، والعامل الذي بنى، والطفل الذي تعلم، والمصلي الذي كبر ثم جاء بأولاده، والعالم الذي صعد المنبر، والأم التي دعت، والعائلة التي شيعت عزيزًا، وأجيال حملت إلى هذا المكان إيمانها وأفراحها وأوجاعها وقضاياها.
تغيرت الطريق الجديدة. تبدلت أبنيتها وشوارعها ووجوهها، وعبرت عليها حروب وزعامات وأحلام وانكسارات. وبقي الجامع. تسعون عامًا تقريبًا، والرمل الذي كان حوله صار مدينة. أما هو، فبقي ذاكرةً لها مئذنة. جامعٌ بُني فوق الرمل، فثبت بالإيمان، وشمخ بالعلم، واتسع للناس… حتى صار الناس أنفسهم أساسه الذي لا يُرى.